التسمية والهوية في غرب كوردستان: نحو استعادة المصطلح الدقيق

التسمية والهوية في غرب كوردستان: نحو استعادة المصطلح الدقيق

الدكتور: كاميران حاج عبدو

في السياقات السياسية المتوترة، لا تقتصر التسميات على كونها أدوات توصيف محايدة، بل تتحول إلى وسائل فاعلة في إنتاج المعنى، توجيه الوعي العام، وإعادة تشكيل الخرائط الرمزية للهوية والجغرافيا والانتماء.

المصطلحات ليست مجرد مفردات لغوية؛ فهي حوامل ثقافية وتاريخية تمنح الشرعية لتصورات محددة وتنزعها عن أخرى. ومن هذا المنطلق، يتجاوز الجدل حول تسمية غرب كردستان البعد اللغوي ليصبح نقاشاً معرفياً وسياسياً حول الهوية والانتماء وحق التسمية.

في بدايات الحرب الأهلية السورية، بدأ تداول مصطلح «روجآفا» على يد جهة سياسية محددة ووسائل إعلامها للإشارة إلى المناطق الكردية في سوريا، والمعروفة بغرب كردستان. لكن هذا المصطلح ما لبث أن تراجع لصالح مسمّى آخر عقب تأسيس قوات سوريا الديمقراطية (تشرين الأول / أكتوبر ٢٠١٥) بدعم من التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، وتوسيع نفوذها ليشمل إلى جانب مناطق غرب كردستان كامل محافظات الرقة والحسكة ودير الزور. هنا برز مصطلح «شمال وشرق سوريا»، الذي سرعان ما تسلل إلى وسائل الإعلام الإقليمية والدولية بصيغة «شمال شرق سوريا»، في محاولة واضحة لصهر مفهوم غرب كردستان ضمن تسميات طوباوية وفضفاضة، مما أضعف دلالاته التاريخية والسياسية والإثنية.

عاد مصطلح «روژآڤا» مؤخراً إلى الواجهة السياسية والإعلامية بشكل أوسع، لا سيما بعد الهجمات الأخيرة لقوات الحكومة السورية المؤقتة على مناطق «شمال وشرق سوريا»، وما رافق ذلك من تقلص نفوذ قوات سوريا الديمقراطية على بعض مناطق غرب كردستان في محافظة الحسكة ومنطقة كوباني. مما يعيد أهمية فتح النقاش حول اللغة المستخدمة لوصف المكان، وحدود الدلالة السياسية للمصطلحات المتداولة.

إن استخدام مصطلح «روجآفا» بوصفه بديلاً عن «غرب كردستان» ليس مجرد توصيف جغرافي («الغرب»)؛ بل يشكل محاولة لتجريد المنطقة من سياقها الكردستاني الأوسع وتحويلها إلى مساحة رمزية قابلة للتأويل أو النفي. وقد توسع هذا الاستخدام ليشمل الإعلام الكردي والكردستاني، وحتى منابر غير كردية، ما أكسبه حضوراً متزايداً في الخطاب العام على الرغم من إشكاليته المفهومية والسياسية.

تتجلى هذه الإشكالية عند المقارنة بالمصطلحات المعتمدة في أجزاء كردستان الأخرى؛ فلا يُستعاض عن «جنوب كردستان» بلفظ باشوور، ولا عن «شمال كردستان» بباكور، ولا عن «شرق كردستان» بروژهلات، إذ تُستخدم هذه التسميات بوصفها توصيفات مرافقة ضمن الإطار الجغرافي والسياسي التاريخي، دون استبعاد الاسم الكامل للمنطقة. غير أن غرب كردستان وحده يُختزل إلى اتجاه جغرافي مجرد، مما يثير تساؤلات مشروعة حول الخلفيات السياسية والمعرفية لإنتاج المصطلحات وتداولها، والدور الذي تلعبه الأيديولوجيا في إعادة رسم حدود الانتماء والهوية.

إن الدفاع عن حقوق شعب غرب كردستان يبدأ بالاعتراف بجغرافيته التاريخية وتسميتها ضمن إطارها الانتمائي الصحيح. كل مطالبة سياسية أو قانونية أو ثقافية تبقى ناقصة إذا لم تُبنى على اعتراف واضح بالمكان بوصفه فضاءً تاريخياً لشعب محدد. تمييع الاسم يشكل نزعاً للشرعية، في حين يمثل الإصرار على التسمية الدقيقة خطوة أولى لتثبيت الحق في الوعي العام والخطاب السياسي.

تسمية الأشياء بأسمائها هي ممارسة جوهرية وأساسية، إذ تشكّل فعلاً ثقافياً وسياسياً وتاريخياً بامتياز؛ فالاسم يحمل ذاكرة جماعية ويجسّد الحق في الوجود والاعتراف. إن اعتماد مصطلح «غرب كردستان» يعزز وحدة السياق الكردستاني وتكامله الجغرافي والتاريخي، ويمنح المكان موقعه الطبيعي ضمن خريطة كردستان الكبرى، بينما يؤدي الاكتفاء بمصطلح «روجآفا» أو التسميات الفضفاضة إلى تذويب هذه الهوية في توصيف يفتقر إلى الثقل الرمزي والسياسي نفسه.

في زمن الأزمات والتحولات الكبرى، كالتي يمر بها اليوم الشعب في غرب كردستان، تصبح الدقة في التسمية شكلاً من أشكال المقاومة السلمية، وربما أهم من أي مقاومة أخرى، إذ إن الحفاظ على المعنى شرط أساسي لصون الهوية والانتماء والذاكرة الجمعية. فالذاكرة التي تُشوَّه مصطلحاتها تُشوَّه سرديتها، ومعها يتآكل الحق تحت وطأة الالتباس اللغوي والتأويل السياسي. لذلك، فإن الإصرار على المصطلح الصحيح لا يعكس تعصباً لغوياً، بل دفاعاً مشروعاً عن التاريخ والجغرافيا والذات الجماعية.

إعادة الاعتبار لتسمية «غرب كردستان (روژآفاي كردستان)» تشكل، بلا شك، ضرورة معرفية وسياسية وأخلاقية. فالتسمية هنا ليست مجرد تفصيل أو اسم، بل جوهر القضية؛ إذ تحدد كيفية فهم المكان، ومكانة الإنسان تجاهه، وسبل صون الحق في الوجود ضمن سرديته التاريخية والجغرافية المشروعة.

في المحصلة، يصبح الدفاع عن الاسم الصحيح لغرب كردستان فعلاً سياسياً واستراتيجياً يرسّخ حق الشعب في الاعتراف بوجوده التاريخي والجغرافي وما يترتب على ذلك من حقوق. فاللغة ليست أداة للتعبير فحسب، بل تمثل وسيلة لحماية الهوية وتأكيد الحقوق المشروعة، بما يضمن أن يظل هذا المكان جزءاً حيوياً من الوعي والذاكرة التاريخية الجماعية للكرد، ولا يتحول إلى مجرد اسم يفتقد دلالته التاريخية والسياسية والثقافية، ولا إلى توصيف غامض يمحو معاني الانتماء والهوية، ويخضعها للتبديد والإضعاف الرمزي والسياسي.