حارس المقبرة - قصة قصيرة

حارس المقبرة - قصة قصيرة

حسين علي غالب

ترتسم الابتسامة على وجهه الجميل رغم تعجُّب الجميع وحيرتهم، كيف لشاب في مقتبل العمر يحمل شهادة الماجستير في الفلسفة بأن يقبل بوظيفة حارس للمقبرة؟
لم يجب صديقي عن سؤالي الوحيد هذا رغم إلحاحي الشديد، في هذا اليوم سوف أفجّر ما في داخلي من دون تردد ومن دون خجل، سوف أسأله كيف قبلت على نفسك بأن تعمل حارسا للمقبرة؟
غربت الشمس وودعت جمالها وخيوطها الذهبية ورحّبت بسواد الليل الحالك، تقدمت نحو المقبرة والخوف يحيط بي، فمنذ أن ولدت وأنا أسمع كل قصص وروايات الرعب تأتي من المقابر وبالتحديد في مثل هذا الوقت حينما تغرب الشمس.
وصلت إلى المقبرة وجسدي يرتجف من شدة الخوف، وشعرت بأن قلبي سوف يخرج من مكانه، يلاحظني صديقي فيتقدم نحوي ويرحب بي.
يؤشر صديقي بيده للغرفة التي يسكن بها فيدفعني الفضول لتلبية دعوته بالدخول، لقد كانت غرفته دافئة فدعاني للجلوس على الأرض، وأنا نفذت ما قاله لي لأنني أريد تحطيم حاجز الخوف في داخلي.
بدأ صديقي بالحديث والسؤال عن أخباري وحياتي الاعتيادية، وبعد الانتهاء من كلامه وإجابتي أنا لكل أسألته وجدت أن الوقت قد حان لكي أقول السؤال الذي يدور في داخلي.
قالت له والابتسامة العريضة تملأ وجهي:
- كيف قبلت على نفسك بأن تعمل حارسا للمقبرة؟
صمت لمدة دقيقة:
- سوف أجيبك ولكن أنقل جوابي للكل.
يبدأ صديقي بالكلام وكلي آذان صاغية لما يقولوه حتى أشبع شغفي لمعرفة الحقيقة :
- هنا المكان أمين وترى الجانب الجميل من الناس، هنا تجد من يأتي ويبكي على أمه ومن يتذكّر زوجته الحنونة والعاشق الذي يندب حظه لأنه لم يرتبط بمحبوبته، هنا نجد كل المشاعر الصادقة ونرى الجانب الجميل من كل إنسان بعيدا عن الكذب والنفاق والخداع.
أرد على صديقي وأنا لم أشبع فضولي وحبي لمعرفة الحقيقة:
- جوابك لي لم يكن كافياً؟
- نعم لقد ذكرت نقطة واحدة فقط، أما النقطة الثانية فهي أن عملي هذا لن ينافسني فيه أحد ومهما فعلت لن تجد من يفتح فمه معك فالناس سوف تبتعد عني بسبب عملي هذا، أما النقطة الثالثة فهي أنني محتاج للمال لكي أساعد أسرتي وكذلك أحتاج لكي أجد مكانا هادئا لكي أكمل دراستي بعيدا عن هموم الحياة وهنا افضل مكان.
اكتملت الصورة أمامي وفهمت كل شيء، وعلمت الآن لماذا صديقي فرح لأنه يعمل هنا فالأموات الذين يحتضنهم التراب لا يؤذون كما يفعل الأحياء.