دعوني أسألكم: هل أباح لكم دينكم هذه الأفعال؟
علي جزيري
وفق تقاليدنا الكردية الراسخة، كانت المرأة تحمل السلاح برفقة أخيها الكردي وهي تدافع عن عرضها بشجاعة قل نظيرها، حتى نالت بموقفها السالف الذكر كل الاحترام والتقدير في مواجهة الغزاة الذين كانوا يستبيحون، ويدنسون أرضها، ويتنكّرون لهويتها؛ بخلاف العصابات التكفيرية التي لا ترى في المرأة سوى سلعة تُباع وتُشترى في أسواق النخاسة، أو مجرد سلعة أو سبية لممارسة جهاد النكاح، وما عليكم إلا أن تقرأوا رواية "سبايا سنجار" لسليم بركات، تلك التي تناول فيها ما تعرضت له الفتيات السنجاريات عام 2014.
الفيديو الذي ظهر فيه المجرم رامي الدهش، ويتباهى فيه بجديلة الضحية أمام الملأ، أثار فتنة بهدف نسف روابط الجوار وتاريخ التعايش المشترك بين الكرد والعرب، وتوتير الأجواء وجرّهم إلى صدام لا تُحمد عقباه، لأن ما شاهدناه كان له وقعاً أليماً على الشرفاء، هزَّ الضمائر الحية في العالم، مما أثار المذكور بفعلته الشنيعة تلك تنديداً واسعاً؛ بدليل أن إحدى أعضاء البرلمان الأوربي أقدمت في الحال على تضفير شَعْرها، وقص جديلتها، من باب التضامن مع المقاتلة الكردية. كانت هذه الجريمة النكراء مشهداً صادماً بحق، مما أثار غضباً واسعاً بين الكرد والناس الشرفاء، لما للجديلة من إرث تاريخي يعيد إلى ذاكرتنا مآثر تلك الملحمة الخالدة في تاريخنا، في قلعة دِمْدِمْ ضد الصفويين منذ أربعة قرون ونيٍّف، كون المساس بكرامة المرأة في العرف الكردي خط أحمر.
وحين استباح الجيش السوري حيي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب، ومن ثم الرقة، قام بعمليات السلب والنهب لبيوت الكرد، رغم العشرة التاريخية بين الكرد والعرب؛ وراح المستشار الإعلامي أحمد زيدان يبارك للجيش والقوات الأمنية بـ "النصر المبين"..! أما حسين الشرع، والد الرئيس، فشَّهَرَ بدوره سكين التحريض ضد الهدنة التي أعلنت مؤخراً، وما زاد الطين بلة تشبيه الكرد بإسرائيل، وهي ذات الأسطوانة التي كانت تُعزف طوال عهد البعث وآل الأسد، ضارباً بذلك حقائق التاريخ عرض الحائط؛ فالشعب الكردي يعيش على أرضه التاريخية التي كانت جزءاً كوردستانياً ألحق بالكيان السوري المصطنع بعد ترسيم الحدود السورية - التركية، وكان الأجدر به أن يتريث في حكمه، ويدعو إلى التهدئة حقناً للدماء.
ما من شك أن احتقاناً لا مثيل له يسود سوريا، فأبواق الفتنة - أعني تحديداً القنوات الفضائية العربية - أضحت مفارخ لبث ثقافة الكراهية، حتى غدت تلك الأبواق وعصابات التكفير وجهان لعملة واحدة، وكان الأوْلى بإعلاميي التحريض أن يدعوا لعقد مؤتمر وطني يضم كل المكونات السورية لتشارك في إدارة البلاد بعيداً عن الإملاءات التركية؛ فمن المحال تحقيق الاستقرار من دون حل سياسي عادل يضمن حقوقنا القومية، ويصون كرامتنا، فالبحث عن الشرعية ينبثق عادة من الداخل، وهو لامحالة الحل الأنجع، أما السعي لنيل الشرعية عبر الدعم الخارجي، فلا معنى له.
وأصدر وزير الأوقاف السوري بدوره بياناً، كَفَّر فيه الكرد، وأباح دمهم، ووصف ما تُرتكب من موبقات ضدهم بـ (الفتوحات)، تيمناً بالحروب التي شنت منذ أربعة عشر قرناً ونيِّف، وقد سبق لسلفه دكتاتور العراق المقبور أن دفن 182 ألف كردي وهم أحياء تحت يافطة سورة الأنفال... وراح المذكور يُشيطن الكرد، ويدعوهم إلى الرضوخ للأمر الواقع، ولابأس أن تُهدر بعدئذٍ الحقوق تحت سنابك خيوله، كما يتباكى على وحدة الأمة الإسلامية، وفي يده خنجر يطعننا به خلسة، ويطلب منا أن نصمت ونتخاذل، رغم سفك الدماء، فلا بأس - وفق رؤيته - أن تُفرش الأرض بالأشلاء، وتُلقى بالفتيات من علٍ وتعبث بجثامينهن، وتباع ضفائرهن في المزاد وتنتهك أعراضهن أمام مرأى ومسمع الرأي العام العالمي الذي لا يحرّك ساكناً، وفوق ذلك يطلب منا أن نجنح للسلم؛ لكنْ ما يدعو إليه حقيقة هو الاستسلام بعينه، وهذا محال.