نحن كورد

نحن كورد

سيماف خالد محمد

نحن الكورد لم يكن وجودنا يوماً فعلاً عابراً في هذا التاريخ، ولا حدثاً هامشياً يمكن تجاوزه أو شطبه، نحن هنا لأننا اخترنا الحياة ولأن البقاء بالنسبة لنا ليس امتيازاً يُمنح، بل حقٌّ طبيعي لا يحتاج إلى إذن، وجودنا ليس طارئاً، ولا مؤقتاً، ولا قابلاً للمحو مهما تكرّرت المحاولات، ومهما تغيّرت الأسماء والذرائع.

لم نتعلّم الخوف يوماً لا لأننا لم نُجرّبه، بل لأننا عرفناه جيداً ورفضنا أن يحكمنا، تعلّمنا كيف نقف وسط العواصف دون أن نفقد إنسانيتنا، وكيف نحمل الألم دون أن يتحوّل إلى كراهية، وكيف ننجو دون أن نتخلّى عن كرامتنا.

نحن الكورد الذين وُضع أطفالهم في قلب الشتاء، لتواجه أجسادهم الصغيرة البرد، ويتعلّموا باكراً وبقسوة أن العالم قد يشيح بوجهه طويلاً.

أطفال لم يأتوا إلى هذه الحياة ليُشرّدوا، ولا ليُتركوا في مواجهة البرد، ولا ليصبح صمتهم أداة ضغط، ومع ذلك كان عليهم أن يدفعوا ثمن دمائهم الكوردية.

لم يكن هذا قدراً أعمى بل نتيجة واضحة لعالم يعرف ما يحدث، يرى ثم يختار أن يؤجّل الاعتراف، أطفالنا لم يموتوا لأن القدر أراد ذلك، بل لأن إنسانية هذا العالم تأخّرت.

مع كل ذلك لم ننهَر، لم نفقد قدرتنا على الوقوف بكينا، نعم ليس لأننا ضعفاء، بل لأن البكاء أحياناً شكل من أشكال الوعي، واعترافٌ صادق بما لا يجوز التعايش معه.

بكينا الأطفال الذين رحلوا، والذين بقوا يحملون الخوف في عيونهم، بكينا الأمهات اللواتي تعلّمن كيف يبتلعن الألم بصمتٍ، والآباء الذين وقفوا عاجزين، لا لأنهم فشلوا بل لأن القسوة كانت أكبر من قدرتهم.

البكاء لم يكن استسلاماً، بل رفضاً داخلياً لأن يصبح هذا الألم عادياً، ومع ذلك نحن هنا نكتب، نشهد، ونستمر نرفض أن يتحوّل وجودنا إلى ملفٍّ مؤجَّل، أو أن تُختصر إنسانيتنا في نقاشات باردة، أو أن تصبح حياة أطفالنا بنداً قابلاً للتفاوض.

نحن لا نطلب شفقة، ولا نبحث عن تعاطف، نحن نطلب فقط ما يُفترض أن يكون بديهياً في أي عالمٍ يدّعي الإنسانية:
أن يُرى الإنسان كإنسان، وأن يُحمى الطفل قبل أن يتحوّل إلى دليل على الجريمة.

هذه ليست قصة بل شهادة تقول إن هناك شعباً، كلّما حوصِر تشبّث بالحياة أكثر، شهادة تقول إننا رغم كل ما حدث، ويحدث، ما زلنا نؤمن أن الحياة تستحق أن تُعاش، وأن الكرامة ليست مطلباً زائداً، بل حقٌّ لا يسقط.

نحن كورد، وهذا وحده يكفي لأننا لا نخشى الموت لا لأننا نحبّه، بل لأننا وقفنا في مواجهته طويلاً، حتى صار جزءاً من ذاكرتنا اليومية، من حكاياتنا، من أسماء من رحلوا وبقوا معنا.

من عاش سنواته وهو يواجه الفقد، الحصار، والتهديد المستمر للوجود، يتعلّم أن الخوف لا يحمي، وأن التراجع لا يؤجّل النهاية، نحن لا نبحث عن الموت، لكننا لا نرتعد أمامه، لأننا عرفناه وجهاً لوجه، وواصلنا الحياة رغم حضوره الدائم.