الانتكاسة ليست النهاية
إبراهيم صبري
ليست كل الهزائم وليدة المعركة ولا كل الانتصارات تُقاس بعدد الجبهات التي تُكسب أو الأرض التي تُسيطر عليها. في التجربة الكردية الحديثة أثبت الميدان مرارًا أن المقاتل الكردي قادر على الصمود والانتصار وأن القوة العسكرية لم تكن يومًا نقطة ضعف في المسار الكردي. لكن ما يتكسر اليوم ليس السلاح بل الرؤية السياسية وما يُهزم ليس المقاتل بل المشروع الذي قاده. نحن أمام انتكاسة لا علاقة لها بالقوة العسكرية بل بتصدّع داخلي في القيادة وبانكشاف لعبة المصالح الدولية التي لا تعترف إلا بالأقوى سياسيًا لا بالأصدق قضية.
الهزيمة التي نعيشها اليوم ليست لحظة عابرة بل حصيلة تراكم أخطاء سياسية ذاتية وموضوعية دفعت بالكرد إلى حافة مشروع فقد بوصلته. وفي خضم هذا المشهد يأتي اتفاق وقف إطلاق النار بين أحمد الشرع وقسد لا كخطوة سلام تاريخية بل كمحطة جديدة تكشف عمق الأزمة مشروع يرفع شعارات تحررية يوقّع هدنة مع مشروع سلطوي في لحظة كان يفترض أن تكون لحظة مراجعة لا مساومة.
لم يهزم الكرد في الميدان بل أثبتوا في أكثر من محطة قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم وعن جغرافيتهم. معارك سد الموصل وغيرها من المواجهات المصيرية كشفت قدرة البيشمركة على الحسم حين تتوفر الإرادة. هذه الوقائع تؤكد أن الخلل لم يكن يومًا عسكريًا بل سياسيًا بامتياز. ما خسرناه لم يكن جبهة قتال بل معركة قرار وهذا أخطر أنواع الهزائم.
الانتكاسة التي أعقبت استفتاء إقليم كوردستان لم تكن صدفة. الحلفاء الذين صفقوا في العلن تخلوا في السر. القوى الدولية التي ادعت دعم حق تقرير المصير تركت الكرد وحدهم أمام حصار إقليمي ودولي خانق. المشهد تكرر مع قسد وبشكل آخر حين تغيرت موازين المصالح فُتح الطريق أمام نظام الجولاني للتمدد والسيطرة.
اتفاق وقف إطلاق النار بين أحمد الشرع وقسد يأتي في هذا السياق. ليس انتصارًا ولا تسوية عادلة بل نتيجة ضغط دولي وميزان قوى مختل.
ذاتيًا أخطأت قسد في تعاملها مع الحاضنة الكردية. بدل بناء شراكة وطنية كردية جامعة، جرى تهميش القوى السياسية الأخرى عبر القمع والتخوين والمنع. أُغلقت الساحة السياسية ومُنعت الحياة الحزبية الطبيعية وربط مصير الكرد بمصير عبد الله أوجلان. المفارقة أن أوجلان نفسه في مراجعاته الفكرية رفض المركزية الحزبية ودعا إلى ديمقراطية قاعدية يكون فيها القرار من المجتمع لا من التنظيم، لكن الواقع السوري قلب الفكرة رأسًا على عقب. الكومينات تحولت إلى واجهات شكلية والقرار يُصاغ في غرف مغلقة بيد كادرات لا تخضع للمساءلة وهكذا نشأت سلطة حزبية مقنّعة أعادت إنتاج النموذج السلطوي الذي ادّعت الثورة تجاوزه.
قسد اليوم ليست مؤسسة وطنية حديثة بل شبكة ولاءات حزبية لا تراتبية مهنية ولا معايير كفاءة الضابط ليس ضابطًا لأنه مؤهل بل لأنه موالٍ. العربي والكردي سواء في هذا الخلل كلاهما مطالب بولاء أيديولوجي أعمى حتى لو لم يفهم الفلسفة التي يُطلب منه الدفاع عنها. هذا ليس مشروع دولة مجتمعية بل تنظيم مغلق يدير مجتمعًا كاملًا.
أحداث شيخ مقصود لم تكن حادثة عابرة بل لحظة كاشفة. حي يُدار باسم الديمقراطية فإذا به يُدار بعقلية أمنية صرفة، احتجاجات، تُقمع قرارات تُفرض من فوق خطاب تخوين وسلاح في مواجهة الشارع بدل الحوار معه. أين المجتمع؟ أين الكومين؟ أين الفلسفة التي تزعم أن السلطة تعود إلى الناس؟
فكرة الرئاسة المشتركة التي قُدّمت كنموذج تحرري تحولت إلى واجهة شكلية، منصبان بلا صلاحيات والقرار بيد الكادر. والقيادة على أرض الواقع هنا لا تحكم بل تستعمل وتُصدَّر إعلاميًا كنموذج تحرر بينما تُفرغ عمليًا من أي سلطة. تُهان باسم تحريرها وتُختزل في صورة دعائية بدل أن تكون فاعلة سياسية مستقلة. وهذه خيانة مباشرة لجوهر الفلسفة الأوجلانية.
فكرة الأمة الديمقراطية في هذا السياق التاريخي والجغرافي لم تعد مشروع تحرر بل صيغة لإجهاض الثورة. التعايش مع أنظمة استبدادية وبنى اجتماعية مغلقة وحركات إسلام سياسي لا تؤمن أصلًا بالديمقراطية لا ينتج تحولًا بل يبتلع أي مشروع تغييري. الأمة الديمقراطية تفترض مجتمعات قادرة على التعاقد السياسي الحر وقبول التعدد وممارسة النقد والمساءلة لكنها تُطرح اليوم في بيئة تحكمها دكتاتوريات إسلاموية راديكالية وعقليات أبوية وقوى دينية ترى الديمقراطية كفرًا وفي هذا السياق تتحول الأمة الديمقراطية إلى غطاء للتعايش مع الاستبداد لا لمواجهته ومبرر لإيقاف الصراع بدل حسمه لصالح الحرية.
اتفاق الشرع وقسد ليس حلًا بل نتيجة طبيعية لمسار خاطئ هدنة تُفرض من فوق بلا مساءلة شعبية ولا نقاش مجتمعي ولا رؤية استراتيجية اتفاق بين سلطتين لا بين مشروعين تحرريين هنا يتحول الدم إلى ورقة تفاوض وتُختزل تضحيات المقاتلين في صفقة سياسية باردة. هذا الاتفاق يكشف حقيقة المشروع سلطة تبحث عن البقاء لا عن التحرر عن إدارة الواقع لا تغييره.
أما المثقفون المحسوبون على المشروع فقد انحدر دورهم من النقد إلى التهليل بدل مساءلة السلطة أصبحوا أبواقًا لها تخوين لكل مختلف وتعبئة غوغائية وضجيج بلا مضمون المثقف لم يعد ضميرًا نقديًا بل موظف دعاية وهذه علامة موت أي مشروع فكري.
الخلاصة أن ما ينهار اليوم هي النسخة الأساسية والمشروع لم يُهزم في خصومه بل اغتيل في أتباعه. حين تتحول الفلسفة إلى شعارات والنقد إلى خيانة والمجتمع إلى جمهور يكون السقوط حتميًا. الانتكاسة ليست النهاية الكرد أقوياء بتاريخهم وهويتهم وثقافتهم، لكن القوة وحدها لا تكفي المطلوب مراجعة جذرية وتحرر من عقلية الحزب الواحد وإعادة الاعتبار للمجتمع وبناء مشروع سياسي وطني كردي مستقل عن الأوهام والأوصياء. الثورة التي لا تراجع نفسها تتحول إلى كاريكاتير والمشروع الذي يخاف من النقد محكوم بالسقوط وما نشهده اليوم على أرض الواقع وفي اتفاق الشرع وقسد ليس أحداثًا معزولة بل إعلان متأخر عن موت فكرة قُتلت بأيدي من ادّعوا حملها.