بينما تتعانق عقارب الساعة على الرقم 12 على بوابة عام يطرق الباب

بينما تتعانق عقارب الساعة على الرقم 12 على بوابة عام يطرق الباب

إبراهيم اليوسف

أي غريب ذا يطرق بواباتنا، وهو يتدرأ بالرقم المركب" الجديد" الذي لما نزل على بعد ساعات زمنية منه، قبل أن تتعانق عقارب الساعات والدقائق والثواني عند الرقم"12" ويضاف رقم جديد إلى الروزنامة، لتنسب إليه سلسلة الأحداث ضمن فضاء ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً قادماً، بعد أن خُذلنا- من قبل- ونحن في حرم رقم آخر،عام آخر، أقل منه تراتبية، على نحومباشر، منينا في حرمه، كما ضمن حرم الأرقام السابقة عليهما، " بما يكاد لايحصى من الأحلام التي أجهضت، أونتفت، أو التظيت، أوتناثرت كماغبارعمارة الكون وهي تتداعى، في بعض أركانها، على مرأى النظارة جميعاً.
لم يحدث ذلك التداعي، الدراماتيكي، في بعض بنيانه، وأساطينه، كبقية من جغرافيا مديدة لاتزال في فلكه، إلا نتيجة خلخلة في الوشائج التي تربط حبات عقد العالم ببعضها بعضاً، ماجعل الكائن الآدمي يرى بكلتا عينيه أرخبيلات الدماء، وهي تسيل، مشكلة مستنقعات، لما تجفّ بعد، تلتقي في حدودها الأنقاض، والجثث، ورماد البارود المبرمل، وهوام دخان الطائرات التي تسير في مأمن من رادارات العالم المتغافل، المتناوم، المتطاوس، حسب ترسيمة، متفق عليها، لاضير أن تكبد المكان المرشح لنكبته بما زاد وتهيّأ من أشلاء، آدمية، كامتداد لخريطة موسومة، مرسومة قبل مئة عام من الآن، وفق مشيئة لعبة كبار، أومكبَّرين- بفتح الباء المشددة- في مسرحية منومة الأبطال الحقيقيين، على نحومغناطيسي.
رقعة الألم، والهجرة، والتشرد، والجوع، والسجون اتسعت، على حد مهول، مريب، مشين، ضمن حدي زمن الرقم السابق، كي يبلغ حده الأعظمي، وغدا مقابل ذلك كله تنصل الأبطال، البديلين، في النص التطبيقي، من كل ما هو موكل إلى أضرابهم-عادة- في ظل توافر سمة التكافل الأنسي، المغيبة، حسب أهواء هؤلاء السدنة، المارقين، أنى شاؤوا، والأكثر حضوراً، بحسب ريختير المقياس عينه، أنى شاؤوا أيضاً، مادامت الأيديولوجيا ليست سوى تميمة، مدونة على عجل، في جيوب أولاء السدنة، وهم يتحكمون بمصائر بقية الممثلين، ولكأن الأخيرين قد وقعوا في لحظة حرية، أوصفو، أوعقل على "عقد إذعان" بل "عقد زوال"، مخيَّرين، لا مقهورين، مرغمين على السير إلى مصائر غامضة معلومة، وحتوف لامسوغ لها إلا في أعراف هؤلاء، وأداتهم المسرحية، وهي تؤثث مجدها الوهمي، وعرشها، بهاتيك المفردات التي ظهرت على حين غرة، وكان من نتائجها" موات جمهرات متناثرة، ودماربيوتات، واحتراق أحلام وأوطان.
زمن قميء، يكاد ينتن كل منجز، ويهدّد كل فأل خير، ويطفىء كل بريق، ويهدّد كل ما هو نابض بالجمال، من خلال وسمه الداعشي، كاختصار لـ"معجم الإرهاب"، ظهر- فجاءة- بعد أن أطفأ في سواده جملة ألوان متناقضة، وجدت في صنيع هذه الأداة ما يعيضها عن عصر الخطط التقليدية، ولا ضير، في ما سيحدث، مادام الجرح في أمكنة أخرى، ومادام الموكل إليه في أداء المهمة يجيد إيقاع النص، المملى، وفق إرادة المؤلفين، والمخرجين، والمعدين، بكسر العين، أو المعدين، بفتحها، وحتى النظارة، الصامتين، وهو سلوك مارقي الأفلام الدموية، عادة، وهم يبرمجون متاهاتهم في كواليس "هوليود" أو بدائلها، وإن كان بعض الممثلين ملتحين، وبعضهم الآخر، حليقين، لا فرق، مادام وحام البطش قاسمهم السايكولوجي المشترك.
أجل، ليس من عاداتنا ألا نفتح بوابات قلوبنا أمام أي"ضيف" جديد، لاسيما إن كنّا نعوّل عليه، أن يكون- رغم حياديته المعروفة بحسب قوانينه- فضاء ينصف فيه من تلقوا، ضمن حدود المرئي، ما لا يطاق ولا يحتمل من المكابدات العظمى الأليمة، جرش، وانطحن، إثرها، وتحت وطأة رحاها أبرياء، لم يفلسفوا إلا حبهم للحرية، والحياة، والرغيف، والغد النظيف من كل ظلم، أو استبداد.
أو هل يمكن عنونة عمود صحفي، بمجرد رقم مفرد، أو مركب، مثل ما يومىء إليه العام الجديد، حتى خارج عدديته المدونة إملائياً، ونحوياً، وإن كانت له دلالاته التي لما تزل ذيولها بين أصابعنا، وهو ينزلق إلى خارج الذاكرة؟. سؤال قد يطرحه المرء على ذاته، وهو في هذه اللحظة الحاسمة، الفاصلة، ينظر إلى مساحة من ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً، وراءه، متطلعاً في الوقت ذاته إلى مثيلها العددي في مجاهيل القادمات من الوحدات الوقتية، التي صاغتها لنا الروزنامة، في هذا التصنيف، أو ذاك، فباتت من مستظهرات متداولاتنا على امتداد الأربع والعشرين ساعة في النهار، بل على امتداد الثواني، والدقائق، والأسابيع، والأشهر الاثني عشر، ضمن حدي أية وحدة وقتية.
ثمة منازلة كبرى، حامية الوطيس، باتت مرئية للعيان، بين الرقم واللارقم في حياتنا اليومية، بعد أن كانت الحرب بينهما دائرة في الخفاء، إلى أن استطاع الرقم الهيمنة على الكلامي، ليُنظر إلى هذا الأخير من خلاله، أو ليهدد بانحساره تدريجياً، حيث الرقم حاضنة حروف الأبجدية كلها، لا حياة لها دونه، كي يشار إلى كل نأمة في العالم عبر لغة الرقم السليط، إذ به يدون تاريخ ولادة الكائن الحي، كما الجمادات، الصغيرة والكبيرة، الذرة والكون، ناهيك عن مسرد تفاصيل أي كائن، لحظة تلو أخرى، ضمن خط بياناته، ليكون كل ما هو مرئي، أو لامرئي صندوق أرقام غامضة، أو واضحة تحتاج إلى الشرح، تبعاً للأرومة العددية ذاتها
منذ ساعات، فحسب، بعد ظهور هذا المدون في حبره الإلكتروني، أو الورقي، مقترحاً ليكون بين يدي متلق عياني، أو افتراضي، وكلاهما ليسا بخارج الرقمية، وهي تبتلع منذ ظهور إشعاعات شمس الصباح، بأعداد ومضاتها، وجغرافياها المرقمة، يغدو هذا الرقم خارج قوسيه اللذين أطبقا علينا، كمليارات من الآدميين، وما حولنا من حواش، ومتون رقمية لانهاية لها البتة، كي نكون تحت رحمة قوسين آخرين، لا يدري أحدنا كيف يكون انعتاقه من ربقتهما، وإلى أية مسافة تستمر المصاحبة المجهولة، وهي مصاحبة مطعونة من لدن راكب قطارات الوقت، في الوقت الذي يواصل الزمن سيرورته إلى الأمام بكل ثقة، دون أن يتأثر بعواطفنا، وأحلامنا، وأفراحنا، وأحزاننا، وإحباطاتنا، ونجاحاتنا، وخساراتنا، وانتصاراتنا، حيث له ديدنه، وقوانينه التي لا تأبه بماهوخارجها البتة.
وما دمنا قد أصبحنا وسط لجج ثنائيتين، متناوبتين، تتقاذفاننا، إحداهما واقعية، والثانية رقمية، وباتت كفة الأخيرة منهما تترجح، ليكون هناك انتصار للاواقع على الواقع، ما بعد الخيال على العقل، وما بعد الجنون على الحكمة، وما دمنا أمام خلل رهيب يرمي أرواحنا بسهامه التي لا تتوقف، فإن الافتراض قد غدا مشخصاً داخل إطار التنظير له، للمرة الأولى في حياة البشرية، بعد أن كان مجرد مصطلح يمتُّ بجذوره إلى عمق الواقعية، دون أن ينفصما كما هو الحال الآن، إذ اتسعت الهوة بينهما إلى مالانهاية
أجل، هكذا، ومادامت الأرقام تتسيد حياتنا، فإننا أمام حالة هزيمة تاريخية للكلمات، بيد أن من خصائص هذه الأرقام ألا تعلق بالذاكرة، خارج محدوديتها، وكأن الذاكرة مجرد هوام، أملس، مقابل زئبق الأرقام، ما يجعلنا ألا نتعامل مع أرواح الناس التي ابتلعتها آلة الحرب إلا كمجرد أرقام، غير متفق عليها، و نعدنا غير معنيين بأصحابها"و الحالة السورية أقرب الأمثلة هنا" ما دمنا لم نرقم داخل حدودها، دون أن ننتبه إلى أن في إدارة الظهر للجار، في هذا البيت الكوني صكَّ تنازل عن الذود عن الذات..!
كل عام وعالمنا بلا دم وخراب ودمار وجوع..؟؟!