نظرية أثر الفراشة ..الأرخبيل الكردي في إيران نموذجاً
صالح محمود
قيل إنّ شيئاً بسيطاً كرفرفة جناحي فراشة يمكن أن يسبب دماراً في أقصى أنحاء العالم .
إنّ مصطلح " تأثير الفراشة "هو مصطلح أدبي استعمله لأول مرة ادوارد لورينتز عام ١٩٦٣ وهو تعبير يصف الترابط والتأثير المتبادل أو المتواتر عن فعل بسيط، بمعنى أن فعلاً صغيراً جداً ينتج عنه سلسلة أحداث متتابعة، مثال ذلك الدومينو فدفع واحدة كفيل بجعل الكل يسقط تباعاً بدون استثناء.
إن نظام تأثير الفراشة يصور سلوك ديناميكية الكون، فحدثٌ بسيطٌ يمكن أن يسبب سلسلة من الكوارث فمثلاً على رأس جبل ثلجي كرة ثلجية صغيرة متدحرجة يمكن أن تولّد لنا دماراً هائلاً وكبيراً، وتعدُّ نظرية أثر الفراشة أو نظرية الشواش أو نظرية فوضى الكون أهم ثالث نظرية بعد النظرية النسبية، وهذه النظرية تحاول أن تكتشف النظام المخفي في عشوائية الكون .
يقول عالم الرياضيات الفرنسي لابلاس : قد نعتبر" إن الحالة الراهنة للكون هي أثر ماضينا وسبب مستقبلنا ." والماضي سبب المستقبل وهذا ما يؤكد مفهوم الحتمية. وبحسب هذه النظرية فإنّ سرباً من الفراشات يطير في الصين قد يؤدي الى كوارث في أمريكا وإلى عاصفة مثلاً تدمر وتخرّب ولا ترحم، وهذا الأمر ليس موجوداً في مجال المناخ وحده بل في مجالات أخرى متعددة كالصحة والسياسة والفكر وغيرها، فانتحار بوعزيزي عامل البسطة في أحد أسواق تونس أدّى إلى إشعال انتفاضة كبيرة في تونس وامتّد تأثيرها إلى ليبيا ومصر واليمن وسوريا وقامت ثورات وانتفاضات في هذه الدول، وأحدثت هزات وزلازل في بنى تلك المجتمعات، كما أن ظهور فايروس كوفيد 19 في الصين هزّ العالم كله، وأحدث تحوُّلات ضخمة، وفي مختلف المجالات بحيث أصبحت البشرية كلها قبل كورونا مختلفة عمّا بعدها.
إن الأفكار تشبه الفيروسات لها أجنحة وتطير ولا تلتزم بالحدود والحواجز، فمبادئ الثورة الفرنسية" 1789 " من عدالة ومساوة وأخوة مازالت صداها في العالم إلى يومنا هذا ،فولادة فكرة في اوروبا قد تحدث تأثيرا كبيرا في قارة بعيدة وتقلب حياة الناس هناك.
لقد أحدث بروز خصلة من شعر مهسا اميني عاصفةً هوجاء في ايران كلها، وادّت إلى قيام احتجاجات ضد نظام الملالي، وقد بلغ عدد قتلى المظاهرات حتى الآن حوالي 500 شخص، ولم تتوقف الاحتجاجات حتى لحظة كتابة هذه السطور رغم قمع النظام لها وتقديم تنازلات بإلغاء شرطة الأخلاق وإعادة النظر في قانون الحجاب، والله أعلم إلى أين ستؤول الأمور، وفي هذه الاحتجاجات تجزّ النساء شعورههن، ويُظهرن عوراتهن تضامناً مع مهسا أميني، بينما يهتف فيها الرجال والشباب بأن أوان التغييرقد جاء، وعندما يحدث ذلك يكون القمع واقعاً، ويبدو أن مقتل مهسا أميني لاقى صدىً أقوى في الأرخبيل الكردي في إيران، وأقول أرخبيل لأن نظرة من الجو على إقليم كوردستان إيران تظهره أشبه بأرخبيل بسبب كثرة الأنهار العديدة التي تتخلله .
لقد امتدّ تأثير الاحتجاجات إلى العراق الذي تراكمت فيه العلاقات مع إيران، إذ جرى التعاطف - خاصة في الإقليم الكردي - مع الفتاة وأسرتها المكلومة، وخرجت أصوات ومظاهرات استنكاراً لمقتلها، وظهر من الدوائر الشيعية العراقية قلق وتوتر إزاء العنف في الدولة الإيرانية، فما كان من إيران إلا أن قامت بقصف كوردستان العراق .
لقد خرجت الأقليات الإيرانية في العالم كله إلى الشارع محتجة على سلوك النظام الإيراني، وتعاطفت معها جماهير رأت فيما جرى اعتداءً وتمييزاً ضد النساء في العالم كله .
إنّ النظام الايراني نظام متحجّر وجليدي غير قابل للإصلاح والتغيير لذلك هو أمام مأزق صعب، إما أن يتخلى عن السلطة، ويتفكك، أو يواجه الاحتجاجات بالعنف والقوة ولا خيار ثالثاً أمامه .
أما بالنسبة للإقليم الكردي فهو يحتل القسم الغربي من إيران و يجاوره الأهواز من الجنوب الذي تعرض سكانه لكوارث وإبادة على يد نظام الملالي، وفي محيط الإقليم الكردي هناك البلوش والآذريون، وهؤلاء يُعاملونَ من قبل نظام الملالي معاملة سيئة جداً، ويُنظر إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية، ولكن تبقى أنظار النظام الايراني شاخصة على الكرد، وهو يتقصّد ذلك وله مصلحة أن يحصر الموضوع بالكرد فقط،
فالنظام يبحث عن عدو ولن يرى أنسب من الكرد، وهو بذلك يعزف على الوتر القومي ويعمل على كسب الفرس الى جانبه عندما يشير الى بروز الطموح الكردي، ولكن في الحقيقة لواء الاحتجاجات يحمله الكرد، والشرارة بدأت من سقز من مهسا اميني وبعد ذلك عمّت في عموم إيران، والكرد هم رأس الرمح في هذه الثورة، والنظام الايراني يحاول أن يحوّر الموضوع على أنه نزوع قومي عند الكرد ورغبة عارمة في التخلص من هيمنة الفرس والانفصال عن ايران ليس أكثر، وبناء على ذلك فالواجب الوطني يملي على النظام الإيراني مواجهة هذا الخطر القادم من غرب إيران والاستماتة في الحفاظ على وحدة إيران، ولكن في النهاية لن يصح إلا الصحيح وهيمنة القومية الواحدة أو العنصر الواحد لن تدوم إلى الأبد والنظام الطائفي لا يفي بالغرض وبمتطلبات العصر، والحياة في تغيير دائم والشعب الكردي في ايران مع حركته السياسية مهيأان، ويقفان على أرض صلبة ومتماسكة وهذه الأخيرة لها أجنحة عسكرية وذات خبرة قتالية لايستهان بها، ويساعدها في ذلك انتشار الجبال -التي طالما كانت أوتاداً للأراضي والشعوب معاً -على مساحات واسعة من أرض الإقليم، وسكان الجبال شامخون ومتمردون بطبيعتهم، ويرفضون الاستسلام، والحاضر يقف على أكتاف الماضي والأرخبيل الكردي فيما مضى شهد ولادة دولة كردية في مهاباد في الخمسينيات من القرن الماضي، وكان مؤسس تلك الدولة قاضي محمد يحمل لواء الحركة القومية الكردية في عموم كوردستان وكان إلى جانبه مصطفى البارزاني قائدا للبيشمركة هناك في مهاباد حيث شهدت ولادة ابنه البار مسعود البارزاني، لقد انهارت هذه الجمهورية بعد سنة من تأسيسها، ولكن بقي صداها وتأثيرها إلى الأبد.
فلا توجد في مسيرة التاريخ أحداث وحركات مجانية وفق منطق الفراشة والدليل على ذلك هو ظهور سيل من المناضلين بعد قاضي محمد، وفي مقدمتهم قاسملو تلك الشخصية الرائدة أيضاً وبقاء جذوة النضال مشتعلة حتى الآن .
إذاً :
حاضر الحراك الكردي في مهاباد وسقز وبانه وسنندج، وباقي المدن الكردية هو نتيجة حتمية لأثر الفراشة التي اطلقها قاضي محمد. ولكن المشهد السياسي في إيران يمر بمخاض عسير وصعب، ونجاح أي تمرد مرهون بعاملين أساسيين الأول: هو أن تعم الاحتجاجات كل إيران وتشارك فيها كل الألوان و الشعوب من آذريين وبلوش وعرب وفرس وكرد.
والعامل الثاني: هو توفر إرادة دولية لتغيير نظام الملالي، ومع الأسف هذا العامل لم ينضج حتى الآن، ولكن الوقائع على الأرض كفيلة بإنضاج هذا العامل، ومن دون هذين العاملين لن يكتب النجاح للاحتجاجات الحالية.
إنّ المخاوف الكردية تتمحور حول نقطة وهي الخشية أن ينعطف الحدث الإيراني، ويُختصر على أنه طموح كردي في الانفصال وتشكيل دولة، وقد صاغ أحدهم عنواناً معبّراً عن الوضع الكردي:"الجبال الصديق الوحيد للكرد وإدمان الخيانات الامريكية والطعنات الروسية مرة اخرى ."والأمر الآخر إذا تشابه الربيع الايراني مع الربيع العربي الذي أفسد صيت الثورات وخفّض أسهمها إلى الحضيض، عندئذ كم ستكون المأساة كبيرة وفظيعة!! وهذا الأمر غير مستبعد لأن إيران شرقية وتجمعها مع العرب الدين الواحد والمذاهب المتعددة ونفس النظام الديكتاتوري القمعي .
معظم الأحداث التي تجري في ايران والعالم تنسجم وتُماشي منطق أثر الفراشة، وقد يبدو للعيان إن الأمور راكدة ومتوقفة في بقعة معينة في دولة معينة من العالم، ولكن هذه البقعة هي بالضرورة جزء من نظام الكون، وتتأثر به والتحولات والتغييرات التي تحدث في الكون ستنعكس بشكل أو بآخر في هذه البقعة التي يعتقد ابناؤها بأنها - نتيجة اليأس - خارج الزمن ومنسية ومن المستحيل أن تتغير ولكن الواقع مختلف تماماً ..
في اوائل القرن الماضي ذهب لينين في زيارة إلى سويسرا وألقى خطاباً على طلبة الجامعة في سويسرا، وتوقع لينين أن الثورة البروليتارية الاشتراكية ستبدأ من هناك من سويسرا خلال عدة أشهر ولكن الثورة بدأت في روسيا وتغير العالم كله ومضى قرن من الزمن والثورة الموعودة في سويسرا لم تقم حتى الآن، هناك منطق وسياق معين لحركة التاريخ- قد لايراه أو يعرفه حتى العباقرة أمثال لينين- ولكن يبقى هذا المنطق في النهاية هو السائد .
ذلك الطالب الاسكتلندي القصير الذي رفضته الكلية الحربية لقصر قامته اغتال الدوق النمساوي وزوجته، وكان سبباً في إشعال الحرب العالمية الأولى ودمار العالم وقتل الملايين وانهيار ثلاث امبراطوريات.
أثر الفراشة هوتيار كهربائي خفي قد يعمل في لحظة ما على إحداث تغيرات رهيبة في عالمنا الراكد، ويقلبه رأساً على عقب .