الإرهاب الفِكري
محمد رجب رشيد
لعلّ الفِكر والتفكُّر من أهم ما يتميّز به الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى، وقد ورد كلمة (التفكُّر) بصِيغة التساؤل الذي يُفيد الوجوب في عِدة مواضِع من المِصحف (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)، (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم). ص.
الأفكار تبقى مجرّد أفكار لا يُحاسَب عليها أصحابها في الآخرة ما لم تتحوّل إلى أفعال، ألا يعني ذلك أنّ مصادرة حق الإنسان في التفكير والتفكُّر هي معصيةٌ لِأوامر الله؟ قبل أنْ تكون عدوانًا على حق الإنسان في التعبير عن رأيه ونفسه، وتجاهلاً لحقيقة أنّ الإنسان وُلِدَ حُرًّا وتُرِكَ له حرية الاختيار بين الإيمان بالله أو الكفر به.
الإرهاب لغةً هو التخويف أو الفزع، وفي المصحف جاء بمعنى إخافة العدو وردعِه بامتلاك القوّة، (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) ص. حُرِّفَ المعنى فيما بعد ليُطلق الإرهاب على النشاط الإجرامي الذي يتّخِذ من القوّة وسيلة وحيدة لتحقيق أهداف أقلُّ ما يُقال عنها غير إنسانية.
رغم نعومة الإرهاب الفِكري كما يرى البعض إنّه لا يقلُّ خطرًا عن الإرهاب المسلّح، هذا إنْ لم يكن الأخطر على الإطلاق، ولا نبالغ إذا وصفناه بالحضن الدافئ للفشل والهزيمة والتخلُّف الحضاري، فضلاً عن كَونِه نبع الإرهاب الذي يروي جميع فروعه -الإرهاب السياسي، الإرهاب الديني، الإرهاب المسلّح، ... إلخ.
هذا النوع من الإرهاب -الإرهاب الفِكري- هو نِتاج طبيعي للفكر الأصولي القائم على فرض ايدلوجيا معينة على الآخرين بالإكراه وتكميم الأفواه واللجوء إلى القوّة إذا لُزِمَ الأمر، وعدم قبول نقدِها أو مناقشتها بالتزامن مع رفض أيّة أفكار أخرى مهما كانت صحّتها وبلغت فوائدها.
يتّخِذ الأصوليون من الفِكر الوهّابي وما يُدرّس في جامعة الأزهر والأحاديث التي تفتقر إلى أدنى درجات الصحّة سندًا لهم حتّى وإنْ خالَفت كِتاب الله، ومن نمط الحياة التي كانت سائدةً منذ أكثر من ألف عام أسلوبًا للحياة في العصر الحالي، وذلك لِلحيلولة دون وَعي الناس بما يجب أنْ تكون عليه الحياة، وحقِّهم في طرح أفكارهم والتعبير عن آرائهم دون خوف، الأمر الذي أدّى إلى التدخُّل في جميع شؤون الحياة دون مراعاة المستجدات التي تدخل عليها مع مرور الزمن، وهكذا تقلّصت رؤيتهم إلى العالم الواسع والمتنوِّع على ثنائيّتن فقط هما (الحلال والحرام)، (الإيمان والكفر).
كلّما عجز الفكر الأصولي عن مواجهة الواقع بالعقل والمنطق لجأ إلى استغلال التراث المتأصِّل في نفوس الملايين والترويج للأفكار التي كانت سائدة في العصور السابقة باعتبارها تقدِّم الحلول لجميع التحديّات المعاصرة حسب زعمه، إلّا أنّ الواقع الحالي يرفض تلك الأفكار حتّى وإن كانت مقدّسة فيما مضى، وذلك لفقدان صلاحيتها وعدم إمكانية البِناء عليها في العصر الحالي.
إنّ كل من يدعّي امتلاك الحقيقة المطلقة بتِكرار الخطاب القديم الذي عفا عليه الزمن، ويرفض مناقشته وتطويره، وكل من يتّخذ من حُجَجِه سندًا وحيدًا هو الاستشهاد بالنصوص المرويّة وأقوال القدماء دون نقد أو تمحيص فإنه يعيش بعقلية العصور الوسطى حتّى وإن عاش في القرن الحادي والعشرين. فالخطاب مهما تغيّر يبقى خطابًا، التغيير الحقيقي يبدأ بِتغيير الأفكار وطريقة التفكير.
تتأرجح شِدّة الإرهاب الفكري بين عدم احترام آراء الآخرين وتكفيرهم أو تخوينهم، ويستهدِف الأفراد والجماعات. في المجتمعات المتخلِّفة تتّخِذ بعض الأُسَر والمدارس من الإرهاب الفِكري أسلوباً لتربية الأطفال منذ الصِغر، وذلك بتوبيخهم وعدم السماح لهم بالتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، أمّا الجماعات فتتكفّل بها الحركات الأصولية والأنظمة الشمولية من خلال فرض أحكام وممارسات لا إنسانية تحمل أبشع صور الإرهاب الفكري كَالعنصرية، الطائفية، التكفير، انتهاك حقوق الإنسان، ويُلاحظ ذلك بوضوح في منع بعض الشعوب الأصيلة من التحدُّث بلُغتها، وحظر بعض الثقافات وتصنيف المواطنين إلى درجات حسب انتمائهم العرقي أو الطائفي أو الديني، وتكريس الاعتقاد بأن الآخر المختلف آثِم لن ينال رِضا الله مهما كانت أفعاله.
رغم البَون الشاسع بين الأصولية من جهة، والشيوعية والنازية والفاشية من جهة أخرى، فإنها تلتقي معاً في منهج كَالذي انتهجه فرعون مع قومه، (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ص، من المتوقّع أنْ تكون نهاية الفِكر الأصولي مزبلة التاريخ التي سبقت إليها مثيلاهها.
من الملاحظ أنّ الفكر الأصولي يستمِدُّ أسباب استمراره وقوّته من الدوران في فلك مصالِح بعض الدول والأنظمة الحاكِمة، حيث تستجيب لِكُل ما يُطلب منه عند الحاجة، ولا أدلُّ على ذلك من حركة الإخوان المسلمين وتفرُّعاتها، حيث انتقلت من حضن نظام جمال عبد الناصر -قبل محاولة اغتياله- إلى حضن السادات -قبل اغتياله-، ومؤخراً إلى حضن كُل من قطر وتركيا، هذه من ناحية ومن ناحية أخرى فإنّ انكلترا كانت ومازالت تُؤمِّن لقياداتها الرعاية والإقامة في مُدنها. أمّا تنظيم القاعدة فقد كانت رأس الحربة في محاربة الاتحاد السوفييتي السابق في أفغانستان بدعم من السعودية وأمريكا قبل أن ينقلِبَ السِحر على الساحِر، ومن المعروف أنّ حركتَيْ الجهاد الإسلامي وحماس الفلسطينيتين أُنشِأتا كَحاجة إسرائيلية لتكونا بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية، بينما حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي والحوثي اليمني وحزب العمال الكوردستاني فإنّها جميعًا تتلقّى الدعم والتعليمات والتوجيهات من نظام الملالي في طهران.
السؤال المطروح الآن:
كيف السبيل إلى تحقيق الأمن الفِكري كَحالة ثقافيّة وصحيّة في كافة أنحاء العالم؟
لقد أصبحت الحاجّة ماسّة إلى إيجاد تعريف دقيق من قبل الأمم المتحدة للإرهاب بما في ذلك الإرهاب المنظّم للدول، ثمّ إصدار قرار بصيغة قانون من قِبَل مجلس الأمن لتجريم كافة أنواع الإرهاب ومكافحته أينما وُجِد على غِرار قانون معاداة السامية، وكل جُهد دون ذلك هو بمثابة الاستثمار في الإرهاب لِإطالة عمره وتقويته.