النخبة الوطنية
شمس عنتر
من المشاهد اليومية أن تقوم احدى الشخصيات العامة بنشر منشورا قيّماً على وسائل التواصل الاجتماعي، يطرح فيه رؤية ما، وعند الاطلاع على التعليقات نقرأ كمّ الشتائم التي تحمل الكلمات البذيئة الموجة لشخص الناشر، متناسين تماماً فحوى المنشور لأن قصور
عقولهم لا يمكنهم من الرد الصحيح فقط لأنه مختلف عنهم، هنا يتبين مستوى تحطم القيّم في مجتمعنا، ونتلمس الذهنية المشوه ومدى تفحل الجهل.
بعد 2011، جرت تغيرات كثيرة في الوقائع لكن بكل أسف الذهنية لم تتغير. لأنه كان قد جرى تحطيم القيّم من قبل السلطة التي لم تترك مجالا لبروز النخب الوطنية الحرة في الحياة وخاصة الحياة السياسية، بل عملت على إبراز أبواق واشباه نخبة تابعة لها، ومثل هؤلاء لن يخدموا المجتمع لأنهم ليسوا أحرار، فمن أولى شروط النخبة هي توفر الحرية لها.
السلطة الدكتاتورية تعمل على تحطيم النخب السياسية بكم الأفواه والقمع، وبذلك تُحرم المجتمع من عقلها، مما يسهل انتشار العقول الخاملة، لأن النخبة هي عقل المجتمعات بالفعل.
العلاقة وطيدة بينها وبين الناس، والنخبة تتشكل تاريخيا وتمتاز بالذكاء ومهارات التواصل والحكمة والمقدرة على التحليل والتفاوض ..الخ.
النخبة هي التي تكتب دساتير الدول، لذلك يجب أن تمتاز بتلك الصفات، ومعروف انه لا يوجد نظام سياسي في أي مكان من العالم يخلو من نخبة سياسية. وعادة النخبة السياسية تكون منسجمة مع بعضها، وتسعى للحفاظ على مصالحها.
نفهم مما سبق أن النخبة الحقيقية يجب أن تعمل خارج السلطة لتبدع في أفكارها، وتزداد خبرة وقوة لتنظيم داخل المجتمع، للتمكُن من قيادته، وتقديم خطاب سياسي ينسجم مع المصلحة الوطنية. تكون النخبة عادة خاضعة لقانون التغير والتبديل حسب تطور المجتمع.
للنخبة أنواع، هناك نخبة بين الأطباء والمهندسين والمعلمين وغيرهم، حيث يكونون النخبة في مهنهم، وبعض هؤلاء يعملون بالشأن العام والسياسة فيكونون ضمن النخبة الوطنية والسياسية وعادة تكون النخبة قليلة العدد.
سابقا كان رؤساء العشائر والمخاتير يعتبرون نخبة المجتمع لنشاطهم في خدمة المجتمع.
اليوم المجتمع يحتاج النخبة السياسية أكثر من كل النخب الأخرى رغم الدور الكبير للبقية،
فالنخبة الأدبية مثلا تخلق المعايير للمجتمع، لأنها تبدع وتكون مثال وقدوة وقيمة وربما مرجع، لأنهم يساهمون عبر خطابهم في تشكيل الوعي والتأثير على الرأي العام، ويعملون على تشكيل سلوك المجتمع. فساد النخبة تعني موتها تماما، لأنها تفقد حرية القرار فيتلاشى دورها.
يلاحظ أن الناس تلقي بكل البذاءات اللفظية وهم في خضم الدفاع عن قضية واحدة فقط لإختلاف الرؤى، هذا من تأثير تحطم القيّم.
المجتمع الذي تحطمت قيّمه يُهاجم فيه النخبة بالشتائم والتخوين وإصدار الأحكام المسبقة.
من الممكن أن تعمل النخبة حتى من خارج الوطن، فمعروف أن الوضع الأمني يؤثر على تواجدهم الفيزيائي أحيانا. وأخيراً عليها قتل الأرنب الذي في داخلها حتى نكون نخبة فاعلة.