بين الناقد والشاعر!!
إبراهيم اليوسف
ما إن يفرغ الشاعر من كتابة إنتاجه الجديد، سواء أكان قصيدة، أو مجموعة شعرية، فإنه يعيش حالة هذا الإنتاج، ولا يستطيع الخروج عنها البتة، حيث يبدو له أنه إزاء عمل يحوز الشرط الإبداعي، لاسيما عندما يكون زمان إنتاج النص قريباً من لحظة قراءة الشاعر، وهذا ما يفرض على الشاعر - عادة - في ما إذا كان من هؤلاء الشعراء الذين يعيدون النظر في نصوصهم، بعد كتابتها، فإن عليه أن يترك فاصلاً زمانياً لا بأس به، بين زمان الكتابتين الأولى والثانية، حتى تكون إضافته هذه مجدية، وكي يستطيع النظر إلى نصه بعين الناقد، ويتخلص من سطوته التي يكون أول من يتعرض إليها، وقد لا تتعداه السطوة إلى أحد سواه، عندما لا تتوافر في هذا النص المقومات الإبداعية اللازمة.
وإذا كان من شأن القصيدة التي تتعرض للكتابة الثانية أو الثالثة أن تتخلص من الأخطاء التي ترافق الدفقة الشعورية الأولى، أثناء ترجمتها شعرياً، فتتخلص من الترهلات، أو خلل الإيقاع، كما أنه يمكن أن يتم الإمعان في رسم الصورة، وإعادة النظر في اللغة، وغير ذلك من الأدوات التي يستخدمها الشاعر في مختبره، فإنه يمكن أن يسجل على مثل هذه الإعادات في عملية كتابة النص، الكثير من الملاحظات، لأنها تعقلن القصيدة، على حساب عفويتها، ولا وعيها الذي يتحدث عنه بعض النقاد، ممن يرون أن القصيدة العفوية التي تمتلك براءتها، ينبغي أن تطفح برائحة حبرها الأول .
وإذا كان الشاعر قادراً على أن يتخلص من سطوة الصدمة الجمالية الأولى التي يتعرض إليها، بعد اكتمال بناء قصيدته، فإنه لا يمكن تقدير الزمان اللازم لإمكان الخروج مما يسمى “الحالة الشعرية” الأولى، ليتاح له النظر إلى قصيدته بعين أكثر حيادية، بل لمحاكمتها الذاتية، بكل ما لديه من ملكات وأحاسيس ووعي، وإن السبب في عدم إمكان تقدير مثل هذا الزمان، إنما يعود إلى اعتبارات عدة، تتعلق بقدرات الشاعر نفسه، ودرجة إمكان تجديد ذاته المبدعة، والخروج على حالته الأولى، إذ إن هناك من يمكنه أن يجدد نفسه أثناء عملية الكتابة نفسها، بل إنه يستطيع كتابة قصيدته بأكثر من روح شاعرة في زمان كتابي جد قصير، بيد أن هناك من قد لا يجرؤ، بل لا يتمكن من الوصول إلى الحالة التي تساعده على قطع الخيط المشيمي للنص .
وعلى ضوء ما سبق، فإن مواقف الشعراء، تتبدل من القراءة النقدية لنصوصهم -في حال وجود ناقد حقيقي متمكن من أدواته حيث هناك من يتخلص من ارتباطه بلحظته الشعرية، ويستطيع تلقي صورة نصه في مرايا الناقد، بيد أن هناك من لا يستطيع الانفكاك من ارتباطه بنصه الشعري، معتقداً أن تقويم أحدهم لنصه، إنما هو تقويم لشخصه، ولعل الشاعر معذور في عدم تفاعله مع النقد، وذلك لافتقاد الناقد الحقيقي، في ظل هيمنة التقويم الصحافي، العابر، إلى تلك الدرجة التي قد يقدم فيه هذا النمط من الكتابة الانطباعية نفسه على أنه هو ...... النقد ...!، وياللمفارقة...!.
إبراهيم
إبراهيم يوسف
مؤكد أن هذا العنوان الذي جاء تحته هذا العمود الصحفي، يحيل إلى دلالات عديدة لدي ولدى المتابع الكريم، لاسيما أن موعد نشره يتزامن مع بدء فعاليات مهرجان الشعر العربي في دورته الثالثة عشرة الذي تستضيفه الشارقة، خلال هذه الأيام، وتشارك فيه كوكبة من الشعراء المحليين، والخليجيين، والعرب، بالإضافة إلى عدد من النقاد والإعلاميين، ولعل من أول دواعي ذلك، ما قد يحيل إليه العنوان على نحو مباشر، وهو عدم إمكان خطاب نقد الشعر أن يكون في مستوى تحولات اللحظة الشعرية، لاسيما في ما إذا علمنا أن هناك تطورات هائلة تتم من حولنا، بعد ما أفرزته ثورة التكنولوجيا و الاتصالات في حيواتنا، وباتت النصوص المكثفة واقعاً يومياً، بعد أن عرفت، من قبل، على أيدي شعراء عالميين كثيرين، ضمن خرائط لغاتهم الشعرية
قبل كل شيء، إذا كنت قد أشرت إلى غياب الناقد، بعد التحولات الكثيرة التي جرت في العالم كله، وسقوط آلة الرقابة، منذ أن غدا في إمكان أي ناص أن يكون ناشراً، و يطلق نصه المدون، بعد الانتهاء من كتابته، بمجرد الضغط على زر"enter"في لوحة مفاتيح كيبورد الكمبيوتر، أو بديله في وسائل الاتصال الأخرى:الهاتف أو الآيباد..إلخ، ما جعل مهمة الناقد تتضاعف، وتتفاقم، وقد تعقدت المشكلة-بأكثر- بعد أن اتسع الفضاء الافتراضي، وبات في إمكان أي مبحر في لجج هذا المحيط الألكتروني أن يترك أثره الكتابي، الملتبس بالشعر، بل استنساخ ما هوإبداعي من النصوص الشعرية، غفلاً من أسماء منتجيه، وهو ما يربك مهمة الناقد الحصيف.
طبيعي، أن للناقد الذي بات يغيب شجونه الخاصة، حيث أن اللامبالاة بخطابه، وبحضوره يظهرا في رأس القائمة، في مثل هذه الجردة الحسابية، أو المحاكمة، العاجلة، لاسيما في هذا الزمن الداعشي الذي بات فيه الإبداع تهمة، وتستهدف فيه أضرحة المبدعين، وتماثيلهم، ونصوصهم، ولقد عبرالناقد د. محمد صابرعبيد ابن الموصل، في مقال له نشره في إحدى الصفحات الثقافية العربية، عن إهمال مبدعينا، وهوينطلق من واقعة معاناته الخاصة بعد أن لاذ وأسرته بالفرار، من شرورهؤلاء الأفاكين، وباتت مكتبته، وبيته، وجامعته، تحت رحمة هؤلاء، بعد أن اضطرإلى اللجوء في بلد مجاور،مطلقاً سؤاله الأليم، حول عدم استذكاره، لاسيما من قبل من سلط الضوء على نتاجاتهم، وفي هذا مايدل على غبننا بحق ناقدينا، كمتلقين للإبداع، أو كمنتجين له.
إن الحاجة إلى الناقد، الفاعل، المنصف، باتت جد ضرورية، في ظل هذه النصوص الهائلة التي تندلق من شاشات هواتفنا، وكمبيوتراتنا، وتلاحقنا أنى حللنا، وبينها السمين القليل، إلى جانب الغث الهائل، وأنه من اللزام ليس فقط تسليم الضوء على ماهومتفرد من بينها، بل واستقراء تحولات اللحظة الشعرية، وإعداد ورش نقدية، بل وإعداد مؤسسات نقدية عاملة.......، لاسيما في ظل واقع فرض نص جديد، نفسه، وشقه الطريق، عبرولادة قد تكون عسيرة، لأول وهلة، وقد تؤدي التراكمات الكمية في المنتج الشعري إلى واقع كيفي، وهوما يمكن إدراكه ونحن نشهد وقائع انحسارالنصوص المطولة،وغياب النصوص الملحمية، بل وعودة المعرفي، وسقوط الغموض، رغم أنه في حدوده الطبيعية، من إلماعات النص الشعري حقاً.