انهيار
نسرين تيلو
الطبيب: الخوف شعور طبيعي لدى الإنسان يا شهرام، هروب الإنسان من أماكن الخوف، للحفاظ على حياته أمر طبيعي، ولكن عليك الإطمئنان إليَّ، فهذه فرصة ذهبية لمساعدتك بأبكر وقت. أنت شاب في مقتبل العمر وعلينا أن نتعاون ولا نسمح لمشاعرك هذه بالتطور. شهرام مطرق صامت. منذ ثلاثة أيام. يرفع الآن رأسه ببطء، وينظر إلى الطبيب. موجهأ إليه السؤال: هل تظن أنني جئت اليكم. مختبئاً خشية إعتقال ، أو توجساً من رصاصةٍ طائشة؟ لا، لم يساورني خوفٌ من كلِّ ذلك قط.. ولكنّهم هُمّ من أتوا بي إلى هنا ... أنت مثلي يا دكتور، شاهدت الكارثة.. ولكن أنت تتماسك لتبقى طبيباَ تعالجنا نحن المرضى.. الطبيب: وأنت لماذا لا تتماسك لتواصل حياتك من جديد بشكل طبيعي؟ شهرام: لم تصغ إليَّ بعد .. الطبيب: كلي أذن صاغية، يا شهرام ..
شهرام: لم أكترث بالخيوط قبلاَ. فجأة لاحظت أمي أني أتشبث بكل خيط.. بكل حبل، بكل شريط أصادفه. لكن ما أثار خوفها وخوفهم جميعاً.. وجعلهم يظنون انّي مريض. عندما تبين لي أن السلسال أقوى من باقي الخيوط ... السلسال أقوى من الخيط ، أليس كذلك يا دكتور؟ - الطبيب : آ .. نعم قد يكون أقوى.. ثم توقف عن الكلام ... مرّت لحظات صمت. عاد الطبيب ليسأل: وماذا بعد يا شهرام؟ لا شيء البتة .. أختي كانت تصرخ ترجوني أن أترك السلسال. وأنا كنت أصرخ لتحميني من السقوط. ولكنها. صرخت. واجتمع الجميع حولي وقصوا السلسال بالمقص فهويت، وهأنذا محطم من أثر السقوط الطبيب: هل تشعر بالألم الآن؟ نعم كل مكان في جسدي يؤلمني. سقوطي كان مريعاً . لا أستطيع الوقوف... الطبيب: السقوط على السجادة لا يسبب كل هذه الآلام يا شهرام. كنت في البيت، وسقطت على الأرض أليس كذلك؟ شهرام: نعم.. ولكن كنت في الزاوية التي يكون منها السقوط مريعاً... رانت لحظات صمت.. عاد شهرام للكلام. هل هذا مشفى للمجانين يا دكتور .. لا إنه لمعالجة المرضوضين نفسياً. شهرام هذا جيد.
أنا أيضاً أعتقد أنني لا أعاني خللاً في كيمياء المخ.. مم تظن أنك تعاني يا شهرام؟ ربما هو خلل في كيمياء النفس. المزاج الطبيب: ماذا تقصد بالمزاج؟ أقصد اختلاف الزاويا التي نقف فيها وإختلاف نظرتنا لما نرى كل حسب زاويته. بدليل أنك شاهدت ذات المشهد. وبقيت طبيبا لتعالجني. ىبينما أنا مريض الآن بين يديك بسبب نفس المشهد. الطبيب: أنت ذكي يا شهرام . فلا تسمي نفسك مريضا وسنتعاون معاً لتعود إلى الحياة ألطبيعية قريباً. شهرام: شكراً شكراً اقصد أنا لست طبيب بل مريض. و كل مافي الأمر أن نظرتي غير متطابقة مع نظرتك. أو مع الآخرين، لذا يسمونني مريض. الطبيب: مريض من أي نوع ترى نفسك. وأين تصنف نفسك. مريض نفسي أم عقلي؟ اجبتك قبل الآن .. .. لكن لاعليك، سأوضح لك أكثر. انا أطلب المساعدة وهذا يعني أني مريض نفسي. بدليل أني لا أرفض الدواء. وألتزم بإرشاداتك، لأننّي ألمس اهتمامك بحالتي. ورغبتك بمساعدتي. ولكن أعتقد أنتم الأطباء لا تفهمون كل شيء. أنت اعترفت قبل قليل أن نفسي مريضة وليس عقلي. الطبيب: هذا صحيح. شهرام: لكن ما أدراكم بالنفس البشرية؟ الطبيب: ندرك يا شهرام لأننا ندرس الطب ونختصّ لسنوات طويلة في مجال علم النفس. ونكتسب المزيد من الخبرات في الحياة العملية.
شهرام: النفس البشرية يا دكتور، من وجهة نظري . هي بسعة هذا الكون ، وكل منّا صورة مصغّرة عنه. نعم النفس كون بسعة آفاقه ومجراته.. الطبيب: صحيح يا شهرام. نحن لا نعرف كل شيء تماماً. ولكن لدينا من المعرفة الكثير لمساعدة مرضانا، بدليل أن الكثير من مرضانا شفيوا، وعادوا لحيواتهم الطبيعية. أردف شهرام: وكثير منهم لم يعودوا .. ألم يروعك مشهد سقوط كابل ؟ الطبيب: إنها الحرب يا شهرام .. كّر وفّر . نعم نعم. أنا أيضأ تابعت كل شيء بدهشة بسبب تسارع الأحداث. وكنت مذهولاً مما أرى .. ولكني اليوم أخشى من السقوط.
الطبيب: أي سقوط تقصد
شهرام: سقوط كل شيء ... وسقوطي أنا .. لا موطئ قدم لي. وليس لديَّ حزام أمان. أنا معلق .. كلنا معلقون. أخشى أن أسقط. . الطبيب هم سقطوا لأن تصرفهم لم يكن منطقياً. أما أنت فلم تتصرف مثلهم. فلماذا تسقط؟
شهرام : حبلي أوهى من خيط العنكبوت. في قرارة نفسي اتمنى لو أسقط وأرتاح.. لأقول كان عندي أرض سقطت عليها . .الطبيب: هل كنت تعاني سابقاً من رهاب المرتفعات؟
شهرام: لا .. لكن شهدت سقوط إنسان على سطح منزلنا .
الطبيب: هل تتخيل أنك ستسقط مثله. ليتني اسقط.. ولكنني معلق. فلا أنا أسقط ولا أنا أطير وأنجو .. أنا معلق. وفي كل ثانية مهدد بالسقوط؟
الطبيب: هل حاولت مساعدة الإنسان الذي سقط على النهوض؟ شهرام: سارعت مع البقية لمساعدته، لكنه لم ينهض. الطبيب: طبعاً ربما كان محطماً وفارق الحياة من أثر السقوط الشاهق.
شهرام: أجل، كان محطماً . وكنا نحاول نقل جثته غير أننا جميعاً عجزنا عن حمل جثته . كانت ربما، بثقل الكرة الأرضية.
الطبيب: هل شعر الاخرون مثلك بثقل الجثة؟ شهرام: أظن ذلك لأنهم عجزوا عن حملها. عندها تبادلنا نظرات الدهشة والاستفهام بصمت. ثم رفعت رأسي إلى السماء. ففاجأتني أنها دامسة الظلام. وأنا كنت على يقين أن الوقت كان ظهيرة النهار عدت لأرفع الجثة، فرأيت قطع السماء. متناثرة على الأرض هكذا هوت على الأرض وأطبقت على جثته. السماء سقطت يا دكتور. أنا رأيت كسرها. المتناثرة في كل مكان على الأرض. وعلى جثة القتيل وعلى جثثنا جميعا. انت عاقل يا شهرام.
شهرام : أنت تحاول ان تقنعني بذلك وأنا متأكد من أنني عاقل. وأنا أيضا اعتقد ذلك. ولذلك تفكر باخراجي من المشفى. لتكتب لي في أحسن الأحوال. تقريراً كما دوّنتَ لغيري من العقلاء أن: شهرام مريض في حالة خمود .. صمت الطبيب قليلا. أردف المريض: لا لا اريد الخروج. ينتظروني كلهم هناك ليهمسوا كان قد فقد عقله. سيتجنبونني لأني بنظرهم أصبحت مصدر خطر عليهم. وسيراني آخرون ملبوساً من الجنّ، وآخرون سيصفوني بضعيف الإرادة، متشائم، خائن، خائر، جبان لحق أسياده . . وأسياده تخلّوا عنه. يقصدون بذلك أولئك الذين لم يمنحونني حبلاً بين الهاربين.. ولكنك لم تكن بين الهاربين. وشاهدت المشاهد في التلفاز فقط. كلنا أنوري يا دكتور . أنا أنوري يا دكتور وإن لم أهرب ..
الطبيب أنوري لقي حتفه يا شهرام، انت حيّ تتحدث معي الآن نعم أنا لازلت معلق في لحظة ماقبل الإرتطام، سياط .. حجارة مدى.. تتربص بي تطوقني. ثم اغمض عينيه ومد كلتا يديه إلى الطبيب مذعوراً وتشبث بالايدي التي امتدت إليه
الطبيب: هوّن عليك يا شهرام أنت بيننا .. كل ما تحتاجه هو نوم عميق وراحة وستكون بخير. وستعود إلى حياتك الطبيعية .
شهرام: ولكن سيقال عني خائب، ضعيف الإيمان لأنّي اعترفت بإنهيار السماء. وهم ينكرون ما رأوا . كلٌ منّا أمسك بكسرة من حطام السماء. نظرنا في وجوه بعضنا خائبين مشدوهين من هول ما رأيناه. ولكنهم يوارون عقولهم بالأوهام ... بالانكار .
ماحيلتي تحت سماء مهشّمة؟ أريد سقفاً غير سمائي المهيضة .
( زكي أنوري. . لاعب في المنتخب الأفغاني قتل بعد ان تعلق بإطارات الطائرة )