في الحبّ

في الحبّ

هوشنك أوسي

الحبُّ هو الحبُّ، سواء نجحَ وتكلّل بالزّواج، أو فشل، سواء أضافَ إليهِ الزّواجِ ثمرًا، أو أخذ منهُ، وأنقص. سواء أكانَ بين طرفين، أو مِن طرف واحد، يبقى الحبُّ قدرًا مكتوبًا بحبر إلهي في اللوحِ المحفوظ، لذا، لا يُمحى أو يُنسى، ولا يمكن التقليل منه، أو تبخيسهُ حقَّهُ.
ليس شرطهُ الشّارط، الوصالُ الأبدي، وليس يفسدهُ الوصالُ الجسدي. الحبُّ هو الحبُّ؛ طال عمرهُ أو قصر. ليس له يوم واحد، كلُّ الأيّام أيّامهُ. يمكن أن يكون لحظةً أو دهرًا، لكنه أبدي. رُبّما يتوارى لصالح وجود حبِّ آخر، لكنهُ لا يموت. يمكن أن يتحوّل إلى كراهية، بغض، عداوة، حرب وقتال، تكسير رؤوس وعظام، وهدر كرامات... ويمكن أن يحوّل صاحبه/ صاحبته إلى ملاك أو شيطان، لكنه يبقى الحبّ.
لحظاتُ ضعفهِ وتراجعهِ، ربّما تزيدهُ أضعافًا، أو تخصبهُ وتقوّيه، أو تُضعِفهُ، لكنها لا تشطبه أو تلغيه. ولحظاتُ قوّته، تزيده عزمًا، وربّما تخدشه، تَجرحهُ أو تدميه.
الحبُّ سلطانٌ؛ ضعيفًا أم قويًّا كان.
الحبُّ من طرف واحد، يمكن أن يكون عرضة للاستغلال والإذلال والاستثمار، لأنه منحٌ وعطاء، بمقدار أو سخاء، وصدٌّ وأخذ، جهرًا وخفاء.
نقضي أعمارنا في البحث عنه، والحديث عنه والتحدّث إليه، نَعرِفهُ ونتعرَّف إليهِ، نَعلمهُ ونجهلهُ، نجهلهَ ويَعلمنا، ويعلِّمنا. أنّه كالله، ليس كمثله شيء، حيٌّ لا يموت؛ موجودٌ في كلّ الأمكنة والأزمنة. رحمنٌ رحيمٌ، وشديدُ العقاب. له شهادة ميلاد، ولا شهادةَ وفاة له.
الحبُّ هو الحبُّ، كوخًا كان أم قصرًا، خيمةً كان أو عراء. كُفرًا كان أم إيمانًا، نارًا كان أم ماء، قصيدةً كانت أم رواية.
لا حبَّ أعمى، بل مُبصرٌ وبصير. صبورٌ ومتهوّر، محفوف بالمخاطر. الحبُّ رصيد أبديٌّ، يبقى مفتوحًا جاريًا في بنك الحياة؛ يزيد وينقص، ولكن لا ينتهي.
من طبائعه؛ أنه يزاحمُ حُبًّا آخر، قديمًا أو جديدًا، وربّما يلويه وينحيه، لكن لا يلغيه. في الأصل، تجاربُ الحبِّ تعاضد بعضها بعضًا، تخصّب بعضها بعضًا، نزعة التملّك والاستحواذ، يمكن أن تضعه في ميزان الخيانة والإخلاص.
لا يغادر المرء حُبًّا، إلاَّ إلى حبٍّ آخر، آخذًا معه القليل من الحبِّ السَّابق. تحت جلدِ كلّ حبّ] جديد، قسطٌ من حبٍّ سابق. تتعدّدُ تجاربه، وذاكرتهُ واحدة.
ويبقى الحب يا ولدي مجهولاً، معلومًا، بلا عنوان. نكبر بالحبِّ أو نصغر، نحيا به أو نموت، لكنه "أحلى الأقدار". نصلُ بالحبِّ أو نضلّ ونتوه، لكنه أجمل الأسفار.
ما أردت قوله: صباح الورد والأمل والتأمل.