شراك الخديعة
نسرين تيلو
الشمس في أول بدايات المغيب .. صدى آذان العصر يتردد في الفضاء، وضجر يؤذن في أوصال المكان . يومي بِخَوَرِ النهار وتثاؤب الوقت . .
كل شيئ مفمى عليه إلّا أنا ..عندما تجافيني القيلولة لأشخد الضجر القيّوم .
علا رنين الهاتف ، وردد السكون الصدى .. رفعت السماعة ، وصوت من الجهة الأخرى يلقي التحية ويسأل عنا مردفاً : أن أحد معارفنا انتقل إلى رحمته تعالى.
عاد الصمت وعادت مطارق الوقت تلفظ أوجاعها . وكأني أسمع تفاصيل أنّاتها . تباً لهذا البلد ألا جديد فيه إلا أنباء الرحيل ..؟ مهاجرون في اقاصي الأرض، مهاجرون إلى بطن التراب، وخيام عزاؤ باتت مؤتمراتنا الصحفية ، نتبادل فيها قصص موتنا المعلن منه والمكتوم . .إمرأة من بيت الشيخ أضيفت إلى المشهد ،في خيام مخصصة للنساء . تلقي على المعزّين آداب العويل. وتقاليد البكاء، وفق إجتهادات آخر الفتاوي الحديثة. مشفوعة بآيات الشكر لهذا الموت الرحيم الذي يلتهم ضحاياه بلطف وصمت رحمة بالعالمين. موت يجد الميت لنفسه فيه حفرة تأويه. وغاسل موتى وملقن يلقنه إفادته ليدلي بإجاباته المتأنية. أمام الأسئلة العظيمة. بعض يصغي وبقية، وبعض يتجاذب أطراف الحديث يهمس. كل شييء إلّا عن المرحوم . حتى نكاد أن ننسى سبب مجيئنا إلى الخيمة . . أكثر الجمل تكراراً ارتاح .. ارتاح وكأن الأحياء يحسدون الموتى على موتهم ونجاتهم من حياة باتت صخرة على ظهر كل حيّ. حياة لا تختلف عن الموت إلا بأحلامها الكاذبة .
تقدمت مني إمرأة، حيَّتني بما يشبه الهمس. وأردفت يمكنك الجلوس في الداخل، صديقاتك كلهم هناك. لم نتردد أنا وجارتي التي رافقتني إلى الخيمة في القيام، والسير وراء تلك المرأة. سرنا في ردهة ضيقة تراكمت فيها مئات الأحذية. تفضي إلى غرف واسعة دخلنا غرفة غصت بنساءٍ ارتصصن جلوساً على الأرض على بسط ملون. جنباَ إلى جنب. أعدنا قراءة الفاتحة على روح المرحوم . ومكثت صامتة أجيل الطرف في الجالسين. نهضت شابة من مكانها وتقدمت مني والقت عليَّ تحية مودة ، ثم افسحت لنفسها المجال لتجلس قربي وتسألني: ألا تذكريني آنستي؟ نظرت إليها ملياً وإلى الطفل الغافي في حضنها.. ولكن الذاكرة لم تسعفني فردت: أنا پيال ..ألا تذكريني؟ قد تغيرت يا بيال .. لم يخطر ببالي أنك كبرت إلى درجة أنك أصبحت أما . ردت: أنا أم لطفلين ..أنا متزوجة في تركيا فتمتمت مستدركة في تركيا؟ ردت نعم . كنت أدعو الله أن يحلصني من هذا البلد القبر، كانت ليلة القدر عندما ابتهلت إلى الله ورفعت يديَّ ضارعة ًإليه، نعم كانت ليلة القدر ..ابتسمت وقلت: لابد أن أبواب السماء كانت فاتحة أبوابها حينها. نطرت إليّ وأردفت: لا أظن . فتدخلت شابة ضمت نفسها إلى الحلقة وجاء صوتها: كم مرة قلت لكم أطووا أحلامكم كأعلام نهاية المظاهرات؟ ابتسمت لكن الشابة أكملت: بمرقدا شيخ السماء أغلقت أبوابها بعد اول ليلة قدر في التاريخ .. كدت اضحك لكني تماسكت إجلالا للمناسبة . ثم قامت الشابة وقالت: سأحضر لكم الشاي. واتجهت صوب الباب لتتناول صينية كبيرة من يد صبية يافعة مصفوف عليها عدد كبير من كؤوس الشاي. ثم ولجت الغرفة وجلست بعيدا تسكب الشاي في الكؤوس الكثيرة. فسألت بيال: من تكون هذه الشابة ؟ ردت هي أختي الكبيرة وقد اكملت دراستها الجامعية في الأدب الفرنسي . ولكنها لم تتوظف طبعا لأنها أجنبية . لكن تكسب عيشها من العمل في مدارس خاصة ومن الدروس الخصوصية . قلت: إذن كان لديك قدوة حسنة يا پيال. فلماذا تزوجت باكراً ولم تكملي دراستك ؟ تنهدت بعمق وردت بصوت محنوق. الهوية كانت عقدتي آنستي .. ضاع مستقبلي بسبب عقدة الهوية . تذكرين آنستي حين اختلفنا أنا وإحدى زميلاتي الطالبات فنعتتني بالنكرة ؟ حينها انتصبت القصة في خيالي بكل تفاصيلها. وأردفت پيال : ورغم أنك أنصفتني حينها.. ولن أنسى.
النكرة باتت عقدتي، وباتت هاجسي الشاغل، وبات همي الحصول على هوية. حينها ظننت أن الزواج بالرجل التركي الذي تقدم لخطبتي حين ظننت واهمة أنه سيمنحني الجنسية .جاء كثير من الأتراك إلى قرانا الحدودية يبحثون عن فتيات للزواج وتزوجت العشرات من بنات قريتنا بالأتراك . ارتفع صوت من جهة قريبة منّا لإمرأة تقول : أي والله الأتراك أفرغوا قرانا من الفتيات و افرغوا أسواقنا من الشاي والحصر . ردت أخرى وهل تركوا في أسواقنا أقمشة ؟ . واصلت پيال سردها وهي تقول : في لقاءاتي الخاطفة مع بنات قريتنا اللواتي كنَّ يجئن في زيارات قصيرة لزيارة أهلهن ، كثير ما حدثوني عن سعادتهن في البلد الجديد أحاديث أوحت إلَّي مرة بعد مرّة أن هذا الطريق هو طريق الخلاص . وقارب النجاة القريب . أحاديث شجعتني ، ونسجت لي شراك الخديعة. فوافقت على الزواج برجل متزوج يكبرني بسنين . تخيلت كيف ساتحول الى امرأة ثرية .. وكيف سأكون أثيرته المدللة. وكم من العطف سيغدقه علي ليعوضني حنان أبي الذي فقدته باكراً . نعم سأنعم بهوية وسيكون لي أطفال ينعمون بهوية . نعم قبلت الزواج .. وهناك قدّم لي هوية ابنته التي استشهدت . ولم تسجل واقعة موتها . فتحولت إلى قتيلة على قيد الحياة ، تتجول باسم جديد ليمسي اسمي خجة منذ خمس سنتين ونيف . أكاد أنسى أنّي بيال .. أنت من ذكرني باسمي .. ساد صمت طويل بيننا .. داريته بقولي : ولكنها صدفة غريبة أن نلتقي اليوم وهنا لتسردي لي كل هذا الوجع . لكن لم أفهم لمذا تبنّيت هوية ابنته ؟ ردت: لأن القانون التركي لا يسمح بتعدد الزوجات . ومن المستحيل تسجيلي كزوجة سألت : وماذا عن أولادك؟ أولادي مسجلون باسم زوجته الأولى. اختنق صوتها وسارعت الى مسح دمعة كبيرة تدحرجت على خدها . واردفت بصوت مخنوق. وفاة خالي اليوم أعادت إليَّ تفاصيل شراك الخديعة. شراك استدرجتني إلى الضياع. يترآى أمامي منذ يومين، كم حاول إقناعي بالعدول عن فكرتي حاول مراراً تجنيبي الوقوع في مصيدة الضياع . لكن أحاديث بنات الحي كانت تطفوا على كل كلامه المنطقي وأخذني الخيال إلى الجحيم .. كنت أحلم أن أنعم بثروته وحنانه واسمه . كنت اتخيل ان استعيد نفسي بهوية.. بأداة تعريف .. مراراً تعود كلماته إلى الذاكرة وهو يقول لي : أنت تبحثين عمن يدمرك .. عمن يلغيك ويمحو كيانك . سألت : وماذا عن موقف والدتك ؟ ألم تعترض . ؟ . أمي ظلت صامتة ، كأنما كانت تفكر بتخفيف أعبائها بعد رحيل أبي . ما يحز في نفسي أنني لم ألتق خالي بعدها . مر الزمن وفي كل مرة كنت افكر بالعودة إليه مفجرة دموع ندمي على صدره ، معتذرة له عن عنادي الذي قادني إلى الهاوية . ولكنه رحل بصمت قبل وصولي . وانحرطت في بكاء طويل . عادت الصبية لجمع كؤوس الشاي الفارغة إلا من هموم بشر أترعوها بأوجاعهم . جموع تجلس في حلقات تواصل سرد همومها . أفواج تخرج .. أفواج تدخل . ولا تسمع سوى هنيئا له كانت ليلة الجمعة . لقد ارتاح ، ارتاااح .