اللص والتقي (قصة قصيرة)
عبد الحميد جمو
حلَّ القحط والمحلْ بقرية نائية عانى فيه الأهالي الأمرين، الكل عاجز عن تأمين ليس فقط المأكل بل حتى الماء الذي فُقِد من فرط الجفاف، وكانت لأحد الصالحين كمُّ من الأبقار الحلوبة كان يأمن لها بشق الأنفس علفها من حشائش الأرض وما يتوفر له من بقايا الأعشاب الجافة بشيء يحفظها من الفناء، ورغم ضعف بنيتهم الهزيلة كان ذاك الصالح يقوم بحلبها ويقسم ما نتج منها من حليب أو مشتقاته إلى قسمين يوزع قسما على أهل القرية بشيء يسد الرمق ويبيع القسم الآخر ويشتري بثمنه ما يتسنى له من بضائع ضرورية وأيضا يكون لأهل القرية حصة فيها.
وحينما تتقطع به السبل ويعجز عن تأمين ما يسد جوع القرويين يقوم بذبح بقرة ويطعمهم منها واستمر هكذا حتى بقيت لديه بقرة واحدة وهو لايزال دائبا على ما هو عليه وكثير من الأحيان يحرم أفراد اسرته ليطعم القرويين.
وفي إحدى الصباحات إستفاق ذاك التقي على هول، فقد وجد مربط البقرة خاويا والبقرة مسروقة، صاح بالقرويبن ينبئهم بالحدث، قائلا: هذه كانت مصدر قوتكم وقوتي وسرقت أنا لا أطلب من الذي سرقها أن يعيدها وأعلم أنه ذبحها، طلبي أن يطعم أهل القرية منها فقط، والله هو المسامح وأنا أعرفه وهو يعلم أننا جميعا نعرفه، ولكن الله أمرنا بالستر ونحن نغض عنه إلا إن أراد هو أن يفضح نفسه.
القرويين كلهم يعرفون ذاك اللص ودناءة نفسه رغم أنه يظهر بمظهر الورع الناصح، ورغم ذلك لم يجرحه أحداً في يوم، ولم يواجهه بأعماله الوضيعة، فالكل يلتمس له العذر رغم اساءته لهم ويقولون أنه بحاجة أو قد تعفُّ نفسه عن الطلب أو قد يكون به علّة تمنعه من تأمين متطلباته، وهكذا إلى أن قام بفعلته الشنيعة هذه، فوجه له الجميع أصابع الإتهام وهم متقينون من أنه هو الفاعل وطالبوه بما سرق فأنكر وقال: لأنني الضعيف فيكم تتكاثرون علي.
فتدخل الرجل الصالح وطلب من القرويين عدم تجريحه، وخيروه بين الإعتراف ومشاركة القرويين بالغنيمة أو الإمتثال للشرع، فقال: الشرع هو الفيصل بيننا، والقاضي الذي يفض النزاعات بعيد عن قريتهم مسيرة ثلاثة أيام بلياليها فإشترط أن تكون كلفة الطريق كله على القرويين وأن يأمنوا له دابة للركوب فهو لا يستطيع السير تلك المسافة راجلا، فوافق الجميع وأعطوه ما أراد.
سار هو والرجل الصالح في طرقات متشعبة وسط صحراء قاحلة تلفحهم الشمس نهارا والبرد يدك عظامهم ليلا، والتقي مثابر على نصحه ليرق قلبه واللص متشبث برأيه وإنكاره حتى وصلوا دار القاضي فإذا هم بواجهة فناء كبير في نهايته بناء مبني من الطوب الطيني بوابته مشرَّعة على مصرعيه وداخله غرف متداخلة تُشعِر من يدخلها كأنه في متاهة وليس منزل.
وقف الإثنان عند الباب وطرقاه دون مجيب وصاحا بأهل الدار ولم يسمعوا إجابة، نادا باسم القاضي فلم يتلقّوا ردا، قررا الدخول وهما يتنحنحان ويكبران باسم الله، من دهليز لغرفة ومنها لأخرى حتى وصلا لغرفة أشبه بكهف بابها من الخشب المتآكل وداخلها كأنها حفرة قازورات يغطي جدرانها السواد من دخان القناديل الباهتة وتنبعث منها رائحة العفن، بداخلها شخص جالس على الأرض واضعاً بين ساقيه قدراً من حساء العدس وناثرا حوله عدة أرغفة من خبز الشعير، ويمسك بيده مغرفة كل سكبة منه تشبع إنسانا، فطرقا الباب رفع ذاك الإنسان رأسه ونظر إليه ولم يأبه بهم بل فت رغيفا من الخبز إلى الحساء وبدء يحتسيه بشراهه فسلما عليه، لم يرد السلام عليهما وهو منهمك بطعامه نادوه كأنه اصم لا يسمع وهو يأكل بنهم، فقال التقي للص: ها قد وصلنا للقاضي وهو غير آبه بنا.
فقط سأقول لك شيئا إن قبلته على نفسك فأنا أسامحك ليوم الدين، إبتسم اللص في سره وقال جاء الفرج، فقال بلهفة، قل ما عندك، فقال له التقي: قل إن كنت أنا سارق البقرة أكون مثل هذا الذي يجلس هناك ولا يأبه بضيف ولا يغيث ملهوف، فتغيرت أسارير وجه اللص وطأطأ راسه وقال: والله لا أقبل على حالي أن أكون متشبها بمثل هذا الرجل، وأنا من سرق البقرة، وأنا أتحمل وزر عملي، وسوف أعلن توبتي أمام الله وأمام أهل قريتي على أن ألّا أعود لمثل هذه الأعمال لطالما منظر هذا الكائن يُمثل أمام ناظري. والحر من الإشارة يفهم.