تحوُّلات

تحوُّلات

منى عبدي

أحيانا نريد أن نحتفظ بلحظات ما، كي نحافظ على قلوبنا فقط، رفقاً بالقلوب المتعبة، العلاقات المقدسة عندما تجتاح أرواحنا المنهارة تبقى لطيفة إلى حدٍ ما ، كنت في الثامنة والعشرين من عمري وكأن لدي اهتمام العالم بأكمله لأمسك بيدها الصغيرة الناعمة. يد وردة العمر، وخريطة عالمي الخاص. ابنتي ذات الخمسة أعوام، وهي تلعب أمام المنزل مع صديقاتها وأصدقائها، وبات الغروب المتكرر في الأفق والخوف عليها يحيط بي من جميع الاتجاهات. كنت أخاف من نسمة هواء باردة تلسعها، تتسلل بين وخزة القلب ودقائق الغروب تتوغّل في داخلي إلى حدّ اليأس.
كلُّ هذا يختفي بنظرة من عيونها البريئة، فتأتي فتاة صغيرة بعمرها وتطلب مني السماح لبضع دقائق أخرى للعب معها، هنا الغياب والحضور اختلطا مع فرحتهما باللعب، نظرت إليها، كان شعرها خرنوبياً اشقر وعيناها تراقبان شفتي تبحثان عن سماحي لهما، بقايا خيوط الشمس لم تعد حاضرة والغروب قد رسم خريطته الجميلة والليل أوشك على القدوم. دخلنا المنزل بكل هدوء وانفصل الأطفال مازلنا في بداية الحلم الذي لا نعرف ملامحه.
اليوم وبعد مرور سنوات عدة وطويلة أنا وابنتي في القدر نفسه ولكن بصورة مختلفة واصطدامنا بصخرة الواقع المؤلمة وهي ترسم لي لوحة المستحيل بمفتاح الأمل، وتلوّن بفرحة غائب يُمهّد الطريق إلى السعادة. ابنتي غدت شابة وأنا شبت، أتنقل على كرسي متحرك أمام ذلك المنزل ذاته، لكن الوجوه اختلفت كل شيء جميل في هذه الحياة، ولكن الموت مؤلم، نخبئ في طياتنا قصصاً رائعة محفورة في ذاكرتنا من أيام قد مضت وكأنها اليوم، كأطفال ذلك الوقت كلمة بسيطة قد تخفف عنا الكثير كمن جف حلقه ويريد كأسا من ماء بارد، ابنتي الآن تدخلني إلى المنزل وهي خائفة عليّ كما خفت عليها وهي صغيرة، وأنا أبحث عن صديقة كي أتوسل إليها لأبقى معها لبعض الوقت كما كانت صديقات وأصدقاء ابنتي يفعلون ذلك، تذكرت شقاءهم وصرخاتهم.
الآن نحن مكسورو الأجنحة تحت خط الوهم ومحظورون من الصداقات، والصدق ضائع في مستنقع عكر، لكني لا أستطيع البوح كما تمنيت.