سِحر الشخصية (الكاريزما)

سِحر الشخصية (الكاريزما)



محمد رجب رشيد

يحدث أحياناً أنْ نلتقي بشخص للمرّة الأولى، نتحدث معاً في مواضيع عِدّة، أو أنْ نشاهد مُقدِّم برامج في التلفاز، وإذ بالشخص أو المُقدِّم يدخل قلوبنا دون استئذان، ليس لجمال وجهه وطول قامته، وإنّما لجمال روحه وخِفة دمه وأسلوب حديثه، فيَنتابُنا شعور كأنّنا نعرفه منذ سنوات، وبشكل عفوي نجد أنفسنا متفقين معه في كل ما يتحدّث عنه، ليس هذا فحسب بل ينال ثِقتنا بحيث نستطيع البوح له بأسرارنا إنْ أمكن ذلك. ثمّ نصنع حوله هالة من السِحر لا يراها إلّا من يلقاه وكأنه المُعلِّم والمخلِّص والمُداوي. وهنا لا بُدّ أنْ نتساءل: ما السِر في ذلك يا ترى؟ لا شك أنّ السِر يكمن في سِحر الشخصية الجذّابة (charisma). فما هي الكاريزما؟ ومن هم أصحابها؟ وما هي صفاتهم؟
الكاريزما (charisma) كلمة قديمة يونانية الأصل تعني الهِبة أو الموهِبة، أو العطيّة الإلهيّة. أمّا حالياً فتُعرّف الكاريزما بمجموعة من المهارات الاجتماعية التي تبث الطاقة العاطفية المؤثرة في الناس فكريّاً وحسيّاً من خلال نبرة الصوت والتواصل البصري والمهارة الخطابية الملامسة لعواطفهم وحاجاتهم، ومن خلال لغة الجسد -تعابير الوجه، النظرات، حركة الرأس واليدين- الساحِرة الجاذِبة، مِمّا يترك لديهم انطباعاً أولياً إيجابياً عن صاحب تلك الروح يكون الانطباع النهائي والدائم عنه، ويتمنّون اللقاء به كلما أُتيحت لهم الفرصة، أو مشاهدته والاستماع إليه من خلال وسائل الإعلام إذا كان من المشاهير، ما سبق إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنّ الشخصية الكاريزمية لا تُرى إلّا في عيون المستمعين إليها، ولا تُعرف إلّا في قلوبهم.
اعتقد القُدماء أنّ الكاريزما صفة وراثية تُولد مع البعض دون الآخرين، إلّا أنّ علماء النفس المعاصرين والعاملين في مدارس ومعاهد التدريب نفوا صحّة ذلك إلّا في حالات نادرة، وأثبتوا أنّ الكاريزما بعيداً عن كونها صفة سِحرية صعبة المنال، هي في النهاية سلوك محسوس يمكن لأي شخص اكتسابها بالتدريب عليها والعمل على تنميتها وتطويرها مع مرور الزمن من خلال زيادة الوعي بذاته ومشاعره وانفعالاته، وربطْ ذلك بقراءة حاجات الآخرين وانطباعاتهم وردود أفعالهم. وفي نفس السياق أثبت الباحثون في جامعة تورنتو الكندية أنّ الصفات الكاريزمية موجودة بشكل مُتفرِق لدى جميع الناس وبشكل مُجمّع لدى قِلّة منها، إلّا أنها لا تظهر إلّا بالتدريب والعمل عليها.
من المؤكَّد أنّ أغلب الناس يتمنّى لو كان صاحب شخصية كاريزمية، لكنّ التمنّي شيء والنيل شيء آخر تماماً، قد ينجح المرء أحياناً في خِداع الآخرين بإدِّعاء ما ليس عليه من الثقافة أو الكرم أو القوّة أو ما شابه، لكنّه قطعاً لن ينجح في إدِّعاء الكاريزما لسبب بسيط هو ارتباطها الوثيق بالمشاعر فقط، والمشاعر لا تقبل سِوى الصدق. وهنا يكمن الفارق بين الكاريزما الحقيقية والأخرى المصطنعة، فالشخصية الكاريزمية الحقيقية تتميّز عن الأخرى المصطنعة بالقدرة على تبادل الودّ والمشاعر الصادقة مع الناس والاستماع إليهم، مِمّا يُولِّد لديهم جاذبية إلى أصالتها ورزانتها بحيث يجدون فيها المثل الأعلى.
قد يمكن معرفة فيما إذا كان الشخص جذاباً أم لا بسهولة ويُسر، إلّا أنّ تحديد صفاته والمهارات التي يُتقِنها ليكون كاريزمياً ليس بالسهولة ذاتها. إنّ من أهم صفات الشخصية الكاريزمية بالإضافة إلى ما ورد سابقاً في التعريف هو الحضور الطاغي، الشخصية القوية، الثقة بالنفس، الشغف بالحياة، الحاسة السادسة، الذكاء الاجتماعي الذي يعني هنا معرفة حاجات الناس وتفهُّمِها دون سؤالهم. قد يرى البعض الحضور الطاغي -خلافاً لحقيقته- في الظهور كشخص مثالي من خلال المظهر الأنيق والكلمات والعبارات المنمّقة، إلّا أنّ المثالية المصطنعة الدائمة لا تضيف شيئاً إلى صاحبها بقدر ما تُتعِبها، بينما العفوية تجعل الآخرين يشعرون بأهميّتهم كأشخاص رائعون يُعتمد عليهم، ذلك هو الحضور الطاغي الحقيقي. أمّا الشخصية القوية فيطول الحديث عنها، هي مختلفة تماماً عن الشخصية المتسلِّطة، وتتلخّص في قوة التأثير على الآخرين وإقناعهم بأفكارها ونيل احترامهم، والمضي بهم إلى حيث تريد.
لنأتِ الآن على ذِكر بعض المشاهير من أصحاب الشخصيات الكاريزمية من الأموات والأحياء: الزعيم مُلّا مصطفى البارزاني،الرئيس رفيق الحريري، المستشارة انجيلا ميركل، وزير الخارجية الأمريكية السابق هنري كيسنجر، الفرنسي جاك مارتن مُمثِّل ومُقدِّم برامج الأطفال في ثمانينيات القرن الماضي، الأمريكية أوبِرا وينفري أشهر مُقدِّمة برامج الحوارات، جورج قرداحي مُقدِّم برنامج المليون سابقاً وبرنامج المسامح كريم حالياً، حِكمت وهبي مذيع سابق في إذاعة مونت كارلو، مروان صواف مُقدِّم برنامج مجلة التلفزيون السوري سابقاً، المعلِّق الرياضي عدنان بوظو.
بالطبع نِعمة الكاريزما ليست محصورة بالمشاهير فقط، بل رُبّما كانت الكاريزما من أسباب نجاحهم وشهرتهم. هناك شخصيات كاريزمية أخرى -لم تكتب لها الشُهرة- تعيش بيننا نعرفها ونلتقي بها ونحبُّها، وشخصيات أخرى رحلت عنا إلى دار الآخرة تاركة ذكراها في قلوبنا نستشهد بأقوالها وأفعالها بين الحين والآخر. بالنسبة لي عرِفت ثلاث شخصيات كاريزمية خلال دراستي الثانوية والأكاديمية لا أنساهم ما حُييت، هُم مدرس اللغة العربية المرحوم أديب گال، الدكتور المهندس المرحوم أحمد فيصل العمر، الخبير الروسي دوبرسكوك، كل واحد منهم كان إنساناً رائعاً قبل أن يكون مدرِّساً ناجحاً، وكان موسوعة ليس في عِلم المادة التي يدرِّسها فقط، وإنّما في جميع علوم الحياة.
يتضِّح مِمّا سبق أنّ الكاريزما تبقى إحدى أهمّ عوامل النجاح في الحياة سواءً على الصعيد الشخصي أو المهني بغض النظر عن المُؤهِلات والمكانة الاجتماعية.