شذرة من فوضى الأنتررغنــوم

شذرة من فوضى الأنتررغنــوم



عبدالحميد حسين


الأنتررغنوم: مصطلح فلسفي نقلته كما هو بدون ترجمة وهو قادر على شرح الظاهرة التي تمر بها حالياً بلدان ومجتمعات عديدة في الشرق الأوسط، ويعني حرفياً ظاهرة "فاصل خلو العرش"، وبشكل أكثر وضوحاً يعني أن السلطة القديمة غير قادرة على أداء مهامها فيما يخص الدولة والمجتمع بالنمط القديم، وهي راحلة لا محالة بينما البحث جارٍ عن سلطة جديدة، وهي فقط قيد التصور أو ربما الحلم، فهي الأخرى في غياهب المستقبل الغامض، وقدّم لنا الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي في دفاتر سجنه تعريفاً أدقاً لظاهرة "فاصل خلو العرش" ووصفها بالأزمة وهنا أقتبس: "تتمثل الأزمة بالتحديد في حقيقة أن القديم يحتضر، والجديد لا يمكن أن يولد، في فاصل خلو العرش تظهر مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأعراض المرضية ".
لن أقارن ما مرت به إيطاليا في زمن غرامشي مع ما تمرُّ به منطقتنا اليوم، ولكن من المهم القول أن فاصل خلو العرش الحاصل اليوم يعود إلى سبب هام جداً، وهو أن الإيديولوجيات الإسلامية والعروبية السائدة أوصلت المجتمعات والدول إلى ما هو عليه اليوم، حيث يمكن وصف الفكر الإسلامي والعروبي بالكارثي على هذه الشعوب، فما جرى تبنيه منذ رحيل الأوربيين عن مناطقنا من أفكار ومشاريع بعثية عروبية وإخوانية إسلامية أوصلت مئات ملايين البشر إلى حالة من اليأس لا ترجو فيه خيراً أبداً ومن الواضح جداً أن هناك ولادة عسيرة للجديد الذي سيطول انتظاره.
نقطة أخرى مهمة يجب إضافتها وهي غياب المراجعة والنقد لمراحل تاريخية سابقة، من حيث تقيم الأداء وحصر الخسائر والرجوع عن الخطأ وتصحيحه، فأنت لن تجد بعثياً واحداً عراقياً أو سورياً يقول: بأننا كنا ننادي بالوحدة العربية الكبرى عند قيام حزب البعث في أربعينيات القرن الماضي، وتوضح بأن لا يمكننا حماية بلداننا من التفتت والانقسام اليوم وبعد سبعة عقود، فارق هائل بين الهدف المنشود وحاصل النتيجة يستدعي المراجعة والتوقف عنده بدقة، ولكنك لا تجده بل تجد أن البعثيين بقوافلهم التحقوا بما هو أشد ظلاماً وخيبة من البعث نفسه، وأقصد طبعاً ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية فهذا التنظيم لم يكن سوى أتحاد بين الصداميين مع إرهابيي القاعدة ووجد دعماً وتعاوناً لا محدودين من الحكومة التركية وغيرها طبعاً من المستثمرين.
تجربة الثورة الإسلامية في إيران ليست أكثر إشراقاً من تجارب البعث في سوريا والعراق، ومحاولة رجب طيب أردوغان أسلمه الدولة التركية العلمانية أيضاً والابتعاد عن المسار الديمقراطي والعلاقات المثمرة مع الاتحاد الأوربي ليست بالمُبشّرة كذلك، وكل ما ورد يكرّس الظاهرة الموصوفة في بداية المقال وهي أن هذه المجتمعات تجد سلطات بلادها عاجزة عن القيام بمهامها لا بل أن هذه السلطات نفسها بدأت تحتضر مخلفة أزمات هائلة لا يمكنها التعامل معها، فرد أردوغان على الرجل الذي طلب منه خبزاً بأن يرتاح ويشرب الشاي دليل مهم وإن كان صغيرا على عجز تعاملهم مع الأزمات، وبنفس الوقت لم تستطع المعارضات البديلة المفترضة الإتيان ببرامج وأفكار إنقاذية، فهي لم تولد بعد وربما لم تزر خيال الكثيرين كذلك.
ولكن من المهم أن نطرح بعد كل هذا التشاؤم واليأس سؤالاً مصيرياً وهو: إلى متى يمكن أن تستمر ظاهرة" فاصل خلو العرش" وهل من تجارب ولو صغيرة في هذا الشرق يمكنها أن تعطينا فكرة مغايرة عن السائد ولو بقليل من الحيطة والتيقن؟
أولا: في الشق الأول من السؤال: إلى متى ستستمر الظاهرة؟ ومتى سنرى نوراً في نهاية النفق؟ لا أحد يعلم ففي يوم تضاف إلى تعيقدات الأوضاع تعقيدات جديدة أكثر تعقيداً مما يتسبب بمزيد من الغموض، ثانياً: بالنسبة للتجارب المغايرة فهي موجودة وأقصد بالتحديد تجربة إقليم كوردستان، حيث قدّمت الحركة الكورية التحريرية مثالاً مغايراً تماما لطريقة إنشاء الكيانات السياسية وأسلوب إداراتها، فبالرغم أن إقليم كوردستان كيان سياسي صغير نسبياً " مساحته 40000 كيلومتر مربع وعدد سكانه ثمانية ملايين"، ولا يتمتع بالاستقلال الكامل إلا أنه تم إنشاؤه برغبة شعبية تقودها حركة تحريرية تمثل آمال وتطلعات الجموع الشعبية، فهو ليس كياناً استعمارياً ورثه طاغية ليشبع نزواته في السلطة والثراء، ويدار هذا الإقليم عن طريق مؤسسات ديمقراطية منتخبة من الشعب مباشرة، وإن كنا نصف هذه التجربة الديمقراطية بأنها ناشئة، فعمرها أقل من عقدين ولا ترتقي طبعاً لمستوى الديمقراطيات الغربية العريقة التي تتطور باستمرار منذ ثلاثة قرون، إلا أنه يكفي أنك لا تجد اليوم في سجون كوردستان معتقل رأي أو سياسي معارض واحد، وأوضاع الأقليات الدينية والعرقية جيدة كذلك، بينما حرية الصحافة والنشر وتنظيم الأحزاب السياسية متاحة للجميع دون أي مقص ودون رقيب بالرغم من الحالة الأمنية المتردّية في العراق عموماً وعلى حدود كوردستان كذلك، ونعرف بأن الحالة الأمنية المتردية والحروب والاضطرابات تعيق المسار الديمقراطي.
تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في سوريا هي الأخرى مثال يذكر في هذا السياق، إلا أن بتوسيع المشاركة السياسية في مؤسساتها ليشمل المجلس الوطني الكوردي وأحزاب الجبهة الوطنية والمستقلين كذلك يمكنها أن تخطو هي الأخرى خطوة هامة نحو الديمقراطية، ونرجو أن نسمع أخباراً سعيدة بهذا الصدد، وليس هناك أي مانع إطلاقاً من أن يشارك الأخوة العرب والمسيحيون في بناء هذه الإدارة وتطويرها، فنحن الكورد لا نبحث عن حالة قومية تقصي المختلف بل نبحث عن حالة ديمقراطية مجتمعية كفيلة بإزالة العوائق معهم.
نأتي في نهاية المقال ونوجز ما ورد، فحالة خلو العرش يمكن التعامل معها من وجهة نظرنا إذا دققنا في تجربة الحركة التحريرية الكوردية، فالكوردي الذي عانى من الظلم التهميش والإقصاء لقرن كامل ناضل من أجل الحرية والعدالة والمساواة وهي اسمى المبادئ والقيم، حقق جزءاً منها وفي طريقه لتحقيق المزيد، جرب الاعتقال والتعذيب في زنازين الطغاة، فأطلق الحريات للجميع حتى تولى المنصب والإدارة، مرّ بمجازر الأنفال والكيماوي، ولكنه رفض الانتقام، عاش كل فترة صدام الظالمة، والذي وقع نفسه لاحقاً بعيد سقوطه بين يدي قاض كوردي فرفض الحكم عليه بالإعدام، تم الحكم عليه بالإعدام من قبل قاض شيعي فرفض رئيس عراق الكوردي توقيع الحكم.
وأكثر إيجازاً نقول إن مَنْ ناضل من أجل الحرية والمساواة والديمقراطية وحققها لنفسه، لن يبخل بها على غيره بل سيتشارك فيها، ومن هنا نجد الضوء ينبعث في آخر نفق ظلام القرون السحيقة، فالكوردي يقدح شزرة حرية الشرق الأولى من فوضى الأنتررغنوم.