في استحالة السلم الأهلي في سوريا
عمر كوجري
حين تأسيس الدولة السورية، وإلى ما بعد الاستقلال بقليل عاشت المكوّنات في سوريا بمجملها فيما يشبه التناغم والوئام، ولم تكن ثمة فئات تدعو للتحريض ضد فئة أخرى، ولم تعرف الشعوب السورية ثقافة الكراهية ونبذ الآخر، والتّصادُم بغاية إثنية أو عرقية أو طائفية.
لكن بعد احتلال البعث الفاشي للسلطة عام 1963 بانقلاب عسكري على سلطة "حكومة الانفصال" أذكى هذا الحزب منذ اغتصابه للسلطة على ضرب كلّ المكوّنات السورية ببعضها البعض، وكان على رأس أولوياته تجييش السوريين ككل وفي كل مكان ضد الكرد، والزعم أن الكرد يريدون اقتطاع جزء عزيز من أرض الوطن، وأنهم يخططون للانضمام لكوردستان الكبرى، أو أنهم "إسرائيل ثانية"!!
بهذا تمّ زعزعة أركان السلم الأهلي في سوريا، وازدادت التوترات العرقية، ونجح البعث في شحن قطاعات كبيرة من المواطنين ضد الكرد.
إذ كان صعباً الإبقاء على السِّلم الأهلي في حالة التعافي، ومن استلموا السلطة كانوا عسكريين غوغاء، وتاريخهم أسود، وليسوا أهل خبرة في إدارة شؤون بلد كسوريا، ومازال البعث حتى اليوم يحكم بذلك العقل الفاشي.
مع اندلاع الثورة السورية مطلع العام 2011 دأب النظام ولتسهيل احتوائه لنار الثورة إلى الإمعان في ضرب السلم الأهلي بشكل منتظم، والعمل على جعل كلَّ من خرج لمناهضة الأسد هو خائن ومندس ومجرم وعميل للخارج، ونجح في تطييف الثورة السورية بمساعدة بعض عملائه في المعارضة، وجعل الغرب بين أمرين أحلاهما مُرُّ: إما الأسد بكل مساوئه وبراميله المتفجرة، أو المعارضة التي سوّقها الأسد قاعدة وداعش وإرهاب ديني.. واصطفت امريكا وأوروبا مع الأسد بالضد من السوريين.
قبل أيام حدثت مشكلة أو فتنة أو سمّها ما شئت بين قوات الاسايش في قامشلو وبين ميليشيا الدفاع "الوطني" التابعة للنظام السوري، والتي لها ذكريات مؤلمة في الذاكرة الكردية منذ العام 2004 استمرّت هذه المناوشات التي أوقعت ضحايا وجرحى بين الطرفين أسبوعاً كاملاً، تكلّلتْ بوقف النزاع، والجلوس على طاولة واحدة مع النظام، وأدار الاجتماعات القادة الروس في المنطقة، وانتهت كما نعلم بحاجز مشترك لقوات الأسايش والنظام السوري داخل حي طي.
بكلّ حال هذه ليست المرة تحدث هذه المناوشات بين الأسايش أو قوات النظام أو ميليشيا الدفاع "الوطني"
كردياً، ينبغي التوصُّل إلى اتفاق كوردي – كوردي واقعي وقابل للعيش أولاً، ومن ثم اتفاق بين مكوّنات المنطقة من شأنها قطع الطريق على بعض المشاهد المُمسرحة، وتجنّب مكوّنات المنطقة من تكرار هذه المشاهد المؤلمة، والحفاظ على ديمومة السلم الأهلي، رغم معرفة أن النظامَ مهمتُه ضربُ السلم الأهلي والأمان في أيّ مكان في سوريا.
بمعنى أنه قد يعود لتحريك أدواته ومربعاته الأمنية ووسطه المؤيد" غير القليل" في غرب كوردستان، ويضرب السّلم التي ينشدها الجميع، وباللحظة التي يريدها.