الذات العامة للشعب الكردي بين الماضي والحاضر
صالح محمود
لقد تحدث الأديب اللبناني جبران خليل جبران عن الذات العامة للأمة قائلاً أن لكل شعب ذات عامة تشابه في طبيعتها وبجوهرها ذات الفرد، ومع أن هذه الذات العامة تستمد كيانها من أفراد الشعب كما تستمد الشجرة حياتها من الماء والتراب والنور والحرارة فهي مستقلة عن الشعب، ولها حياة خاصة وإرادة متفردة، وإن الذات العامة للشعب اليوناني ولدت في القرن العاشر قبل الميلاد وعاشت ألفي سنة والذات المصرية عاشت ثلاثة آلاف سنة) وكذلك الذات الرومانية عاشت مدة طويلة وقيل قديماً: كل الطرق تؤدي الى روما التي كانت مركزاً للعالم لحقبة طويلة، ولكن الذات العامة للشعب الكردي متى ولدت؟ وكم من السنين عاشت؟ وفي أي عصر كانت شابة ويقظة وقوية؟ هذه كلها اسئلة يطرحها ابناء الشعب الكردي وتدور في مخيلة أي كردي خائب حالياً وتواق لمعرفة مراحل القوة والاشعاع من تاريخ شعبه.
أي باحث يحاول الغوص في التاريخ الكردي سوف يتوقف عند الممالك والدول والإمارات التي بناها الكرد قبل الميلاد كالدولة الميتانية والدولة الميدية والدوستكية ومروراً بمجموعة دول وممالك أخرى بناها الكرد على مدى 1500عام قبل الميلاد وتُعتبر ربيعاً شهدته هذه الذات عبر تاريخها الطويل، وصولاً الى الدولة الايوبية التي بناها صلاح الدين الايوبي، وكان أمراؤها كلهم من الكرد والرأي القائل بقوة وعنفوان الذات الكردية في ظل امبراطورية ميديا هو الأرجح، تلك الامبراطورية التي عندما آلت الى السقوط انتحرت العشرات من فتيات وبنات الكرد وألقين بأنفسهن من فوق أسوار قصور ميديا خوفا من الوقوع في ايدي الاعداء المغتصبين من آشور وعدم المقدرة على التصور بالعيش دون دولة، دون مملكة ودون عز والإحساس بعدم جدوى العيش بعد زوال ميديا. وكذلك كانت الذات العامة الكردية يقظة وحية ايام اجتياح اسكندر المكدوني للمناطق الكردية الوعرة حيث عانى جيشه الأمرين على يد المقاتلين الكرد الذين امتازوا بطرق رائعة وغريبة في القتال والمراوغة والاختباء وتسلق الجبال ووسائل فريدة في رمي السهام النارية على المكدونيين حيث أذهلتهم وجعلتهم يعتقدون بأن رماة هذه السهام هم أقوام من الجن واستحالة أن يكونوا من البشر.
وعادت الذات العامة الكردية إلى النوم والسكون بعد دمار ميديا وزوالها، ولكنها استيقظت بين الحين والآخر أثناء الثورات التي قام بها الكرد ضد أعدائهم في محاولة منهم لاسترجاع مجدهم وعزهم المسلوب ولكن حظوظ هذه الأمة كانت قليلة وضيقة على الدوام فالذات الكردية عاشت واستيقظت في فترة القرون الوسطى من خلال الدولة الايوبية التي اسسها صلاح الدين الايوبي ورغم طابعها الاسلامي وتبعيتها الشكلية للخلافة العباسية إلا أنها شكلت وبنت مجداً للكرد الايوبيين من خلال اشتراكهم القوي والواسع في جيش صلاح الدين وتسلمهم ولاية الامارات التي كان يفتحها حيث كانوا مصدر ثقته واطمئنانه ,وبذلك اكتسبت الدولة الايوبية صبغة كردية وهذه حقيقة لاشك فيها. وجاءت بعد ذلك عصور ظلام مرت فيها الذات الكردية حيث لم تر النور إلا ما ندر وعندما نتأمل تاريخ هذا الشعب نتوصل الى قناعة وحقيقة وهي ان الكرد كان حظهم اوفر عندما كانوا ميديين او ميتانيين او كلهور او كاردوخ والعكس صحيح تماماً عندما اخذوا لقب الكرد اصبحوا من الامم الاقل حظاً في التاريخ والأكثر تعرضاً للمآسي والاخفاقات، هذا إذا كانت للتسمية دور في ذلك.
والكيان الكردي في كوردستان العراق حالياً يمّثل يقظة حقيقية للذات الكردية التي يحاول الآخرون إسكاتها وإنهائها إلى الأبد والواقع الحالي للكرد تعكسه مقولة لجان جاك روسو الفيلسوف الفرنسي:" رأيت إن كل شيء يرتبط جذرياً بالسياسة ومن أي زاوية نظرنا نجد أن الشعوب على المدى البعيد هي ما تصنعه منها حكوماتها "
فالأتراك صعُب عليهم لفظ كلمة كرد، ولقبوا الكرد على مدى فترات طويلة بأتراك الجبال، وكذلك العرب فنسبة كبيرة منهم يرجٍعون الكرد الى أصول عربية، وهذا يعبر عن الرفض القاطع لاستقلاليتهم مع أن هذا الأمر لا يمت الى الحقيقة بصلة، ولكن النظرة الشوفينية هي التي تدفعهم الى قول ذلك، ومشاعر الكراهية والحقد عند الفرس موجودة تجاه الكرد مع أن الكتب التاريخية تؤكد وجود جذر مشترك وصلة قرابة بين الفرس والكرد والإعدامات اليومية والمتكررة تثبت مدى كراهية ورفض نظام الملالي للكرد والقصف الايراني والتركي المتكرر لكردستان العراق خير دليل على رفض هذه الحكومات للوجود الكردي، والشعوب المجاورة للكرد لا تتحمل وزر كراهية حكوماتها ورفضها للكرد وهذه الانظمة تتحمل مسؤولية ذرع مثل هذه المشاعر تجاه الكرد.