إدارة الأزمات

إدارة الأزمات



العميد المهندس محمد رجب رشيد


ثمّة ظواهر بشرية تخلق ظروف صعبة تبدأ بعدم الاستقرار وتنتهي أحياناً بتأجيج نار الصراع الدامي بين الأفراد أو الشعوب أو الدول. تُعتبر الأزمات واحدة من تلك الظواهر التي رافقت سائر الأمم والشعوب في جميع مراحل حياتها -النشأة، الارتقاء، الانحدار- وغالباً ما كان يسبقها تصعيد في المواقف السياسية وحملات إعلامية متبادلة نتيجة تضارب المصالح، أو خلاف حدودي بين الدول أو أطماع توسعية، أو خلافات عقائدية عميقة -دينية، طائفية، سياسية-، الأمر الذي جعل بعض الأزمات تنتهي بالمواجهة المسلحة. من هنا تأتي أهميّة دراسة وتحليل وإدارة الأزمات لاستخلاص الدروس والعِبر، ومحاولة الخروج منها بأقل الخسائر، وتأخير الأزمات المبطّنة اللاحقة إن تعذَّر تعطيلها.
إنّ تسمية الأحداث بمسمياتها وتحديد حجمها ودرجة خطورتها والآثار السلبية الناتجة عنها، وإمكانية السيطرة عليها محلياً أو طلب المساعدة من الخارج، كل ذلك يساعد على توصيفها بدِقّة لمعرفة حجمها الطبيعي دون تضخيمها أو التقليل من درجة خطورتها، بحيث تأخذ الأهمية التي تستحقها، ولا تستهلك بنفس الوقت جهداً أكثر مِمّا تتطلّب. وهنا لا بدّ من التمييز بين الأزمات وظواهر أخرى قد تبدوا مشابهة لها في الظاهر ولكنها في الباطن مختلفة عنها كالمشاكل والصراعات والكوارث.
تُعرف المشاكل بالعوائق التي تحول بين المبتلي بها والهدف الذي يسعى إلى تحقيقه، وتكون محدودة الحجم واضحة الأسباب ذات شواهد وأدِّلة تُنذِر بوقوعها بشكل تدريجي، وإمكانية الحل تكون متاحة دوماً إن وجِدت الإرادة، وفي حال إهمالها قد تتحوّل إلى أزمات. أمّا الصراعات فتُعرف بتصادم الارادات والقِوى بهدف تحطيم بعضها البعض كلياً أو جزئياً، والانتهاء بالسيطرة على إدارة الخصم والتحكُّم بها. تتّسِم بطبيعة شبه دائمة، وتختلف عن الأزمات بكونها أقلُّ شدة وأكثر وضوحاً من حيث الأهداف والأبعاد. وماذا عن الكوارث؟ الكوارث إحدى أكثر الظواهر التصاقاً بالأزمات ولكنها ليست أزمات بحد ذاتها، بل هي من الظواهر الطبيعية المروِّعة التي يصعب السيطرة عليها، ولا دخل للإنسان في وقوعها، تأتي فجأة دون سابق إنذار كالزلازل، البراكين، الفيضانات، الأوبئة، الحرائق الضخمة التي تأتي على الغابات والمناطق المأهولة بالسكان، بالإضافة إلى الأخطار الناتجة عن الأخطاء الفنية في المفاعلات النووية. وحتّى الآن لم يصل البشر إلى إيجاد آلية لمنع وقوع الكوارث أو الإنذار بقربها، وكل ما يمكن فعله هو التعامل معها بعد وقوعها بغرض التقليل من خسائرها وإزالة آثارها قدر الإمكان.
لنأتي الآن إلى موضوع مقالتنا -الأزمات- التي تُعدُّ من أخطر الظواهر البشرية، والأكثر انتشاراً في عصرنا الحالي الذي يمكن وصفه بعصر الأزمات بعد أنْ طالت جميع جوانب الحياة، وأضحتْ متواجدة على كافة الأصعدة والمستويات، سواءً على مستوى الأفراد بمواجهة أزمات نفسية وعاطفية واجتماعية في الحياة اليومية، أو على المستوى الوطني بمواجهة الحكومات والمؤسسات للأزمات -السياسية، الاقتصادية، المالية، التعليمية، الأخلاقية، .... إلخ-. وتُشير مصطلح الأزمة إلى مجموعة من المتغيِّرات تشهدها الأفراد أو المجتمعات أو الدول، تخلق حالة عدم استقرار غير مألوفة، قد تخرج عن التحكم بها والسيطرة عليها، وغالباً ما تستبطن بوادر أزمات لاحقة.
ومن أهم الأزمات التي عصفت بالعالم خلال العقود الماضية: - أزمة تأميم قناة السويس في العام ١٩٥٦م بين مصر وبريطانيا، وكان من تبِعاتها العدوان الثلاثي على مصر. - أزمة تنصيب الصواريخ النووية السوفيتية بين أمريكا والاتحاد السوفيتي في خليج الخنازير بكوبا عام ١٩٦٢م، والتي كادت تشعل حرب عالمية ثالثة. - أزمة النفط عام ١٩٧٣م نتيجة حرب تشرين بين مصر وسورية من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، حيث أعلنت الدول العربية الأعضاء في منظمة أوبِك وقف إمدادات النفط إلى أمريكا والدول الأخرى التي تؤيد إسرائيل . - أزمة تفجير طائرة ركاب أميركية تابعة لشركة طيران بان أمريكان أثناء تحليقها فوق قرية لوكربي الاسكتلندية عام ١٩٨٨م من قبل نظام القذافي، مِمّا أدّى إلى وفاة جميع ركابها البالغ عددهم ٢٤٣ راكب. - الأزمة المالية في أسواق شرق آسيا عام ١٩٩٧م. -أحداث ١١ أيلول عام ٢٠٠١م والتي كانت بمستوى الكارثة، ولكن أمريكا تعاملت معها كأزمة وعالجتها بنفسها دون طلب مساعدة من المجتمع الدولي. - أزمة ملف البرنامج النووي الإيراني بين إيران من جهة ومجموعة الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن بالإضافة إلى الأمم المتحدة من الجهة الأخرى. - أزمة المناخ والاحتباس الحراري التي تواجه العالم. - الأزمات المستمرة التي تعصف بالحياة اليومية للمواطنين في الدول الفاشلة، كأزمة الوقود والغاز المنزلي ومواد البناء والمواصلات والخبز وغيرها. - الأزمة الاجتماعية في جميع أنحاء العالم حول تفكك الرابط الأسري. - جائحة كورونا التي تجتاح العالم منذ أكثر من سنة هي بالأصل كارثة، ولكنها انتجت عدة أزمات -صحية، مالية، اقتصادية، اجتماعية- طالت معظم الدول.
يتّضِح من خلال ما سبق شمولية الأزمات وإطالة أمدها واستحالة إيجاد حلول سريعة وفعّالة لها، مِمّا يستوجب التعايش معها وإدارتها إلى حين الانتهاء منها. فكيف تكون إدارة الأزمات؟ وما الغاية منها؟
إدارة الأزمات من المفاهيم الحديثة التي لم تُعرف إلا في بداية ستينات القرن الماضي من خلال دراسة قامت بها جامعة هارفرد الأمريكية عن ماهيّة الأزمة وكيفيّة احتوائها ومواجهتها، وتعتبر فرع من علم الإدارة العامة لمواجهة الحالات الطارئة التي تواجه المجتمعات، وتتصدى لها الدول بتسخير جميع إمكانياتها المادية والبشرية. وتشمل اتخاذ القرارات السريعة للتعامل مع ماحدث والاستعداد لما قد يحدث، للخروج منها بأقل الخسائر على ضوء الإمكانيات المتوفرة.
أمّا الغاية الرئيسية من إدارة الأزمات فهي كيفية التغلب عليها ومنع تكرارها، ومحاولة تجنب سلبياتها والاستفادة من ايجابياتها. رُبِّ سائل هنا: وهل تحمل الأزمات معها أي ايجابيات؟ نعم! فعلى الرغم من قسوتها فإنّ التعامل معها بحِكمة قد تحرِّك الأذهان وتحفِّز الإبداع، وتطرق فضاءات بِكر تمهِّد السبيل إلى مرحلة جديدة أفضل من سابقتها.