مدى تأثير مشروع طريق الحرير الجديد على مستقبل قضاء سنجار وجهة نظر
علي مسلم
مع بداية الأزمة المالية في اليونان أواخر عام 2009، تراجعت الدول الأوروبية عن رغبتها في الاستثمار المالي في اليونان. غير أن الصينيين انتهزوا هذه الفرصة واشتروا أسهمًا في ميناء بيرايوس، وقد استحوذوا في عام 2016 على حصة الأغلبية في هذه الشركة، لدرجة أن نقابة عمال الموانئ اليونانية تعاملت مع هذا الميناء على أنه ليس ميناءاً يونانياً.
وفي نفس السياق توجهت أنظار الصين نحو العديد من الموانئ والمدن المنسية على خارطة البحار في العالم، ومن ضمنها بلدة غوادر الباكستانية فقد كانت هذه البلدة حتى وقتٍ قريب، ممتلئة بالمنازل الإسمنتية المتهالكة التي تعود ملكيتها لحوالي 50 ألف صياد، محاطة بالمنحدرات والصحراء على بحر العرب، كانت عبارة عن بقعة منسية. أما الآن فهي إحدى الركائز الأساسية لمبادرة "الحِزام والطرِيق" الصينية، التي تُعرف بـ "طرِيق الحرِير الجَدِيد"، الامر الذي ترتب عليه تغير شكل البلدة وتحولها بالكامل. وتشهد غوادر الآن ثورة غير مسبوقة في مجال البناء تتمثل في ميناء جديد خاص بالحاويات، وفنادق جديدة، و1800 ميل من السكك الحديدية السريعة لربطها بالمقاطعات الصينية الغربية غير الساحلية. وتطمح كل من الصين وباكستان لتحويل غوادر إلى دبي جديدة، مما سيجعلها في نهاية المطاف موطنًا لحوالي مليوني شخص.
وبهذا استطاعت الصين أن تسير بسرعة كبيرة حتى تصبح الإمبراطورية التجارية الاكبر في العالم. سيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وخفوت وهج الحرب الباردة، وعلى سبيل المقارنة، فكما عمدت الولايات المتحدة الأمريكية على أعقاب الحرب العالمية الثانية، في تطويع القارة الأوربية عبر منحها ما يعادل 800 مليار دولار (بأرقام اليوم) في صورة تمويل لإعادة إعمار أوروبا. فالان جاء دور الصين لتقوم بنفس العمل لكن ليس في اوربا بل في أسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. فمعدلات وحجم مبادرة "الحزام والطريق" الذي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013 مبهرة للغاية. ورغم تفاوت المعدلات، فإن أكثر من 300 مليار دولار قد أُنفقت على هذا المشروع حتى الان، وتخطط الصين على إنفاق ما يربو على تريليون دولار إضافية خلال السنوات الـ 10 القادمة. ووفقًا لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، فإن هناك حوالي 92 دولة تعتبر الصين شريكها التجاري الاكبر وذلك حتى عام 2015، وهو الرقم الذي يفوق عدد الدول التي تعتبر الولايات المتحدة شريكًا تجاريًا رئيسيًا لها، والذي يصل إلى 57 دولة فقط.
وعلى عكس الولايات المتحدة وأوروبا، تستخدم الصين المساعدات والتجارة والاستثمار الأجنبي المباشر بشكل استراتيجي لبناء نوع من الود، بالإضافة إلى توسيع نفوذها السياسي، وتأمين الموارد الطبيعية التي تحتاجها للنمو. وتعد مبادرة "الحِزام والطرِيق" هي أكثر الأمثلة إثارًة للإعجاب فيما يتعلق بكل هذه الأمور المذكورة. وهي مبادرة شاملة تتعلق بمشاريع البنية التحتية الحالية والمستقبلية. وخلال العقود المقبلة، تخطط الصين لبناء شبكة واسعة من البنية التحتية حول آسيا، وفي جميع أنحاء العالم من خلال مبادرات مماثلة.
وقد شاءت الأقدار أن تكون جغرافية العراق نقطة التقاء الشرق بالغرب، وهذا ما اكسبها أهمية استثنائية في سياق الصراع على المصالح، لهذا نجد أن الإرادة السياسية الدولية والإقليمية قد استنفرت بغية توظيف جغرافية العراق والسيطرة على منافذها البحرية وحدودها البرية جنوباً وشمالاً وغرباً.
من جهتها تسعى الصين لتنفيذ مشروع ميناء الفاو الكبير الذي يربط غرب الصين بمياه الخليج العربي، وسيكون مفصل أساسي في طريق الحرير البحري، ومنه يبدأ الممر البري لطريق الحرير حتى الحدود التركية ماراً بقضاء سنجار.
فالسيطرة على سنجار يعني التحكم في ممر طريق الحرير البري الى كل من تركيا وموانئ البحر الأبيض المتوسط، ويعني ايضاً التحكم في تجارة سرقة البترول السوري من جهة وفي التحكم بجزء حيوي من الحدود العراقية التركية من جهة أخرى.
لهذا ليس من المفيد تجاهل هذه المعطيات الاستراتيجية عند الحديث او التفكير في جدوى ومصير اتفاقية سنجار التي ابرمت بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان العام المنصرم، على اعتبار أن قضاء سنجار يقع ضمن المناطق المتنازع عليها، ولم يتم حسم مصيره بعد.
فمشروع الحزام والطريق الذي يعمل عليها الصينيون منذ سنوات، سيساهم في دفع العجلة الاقتصادية لتلك الدول التي ستنخرط في هذا المشروع سيما تلك الدول المنهكة مثل العراق، فهو من جهة سيوفر مئات الآلاف من فرص العمل لشبابها، ومن جهة أخرى سيوفر لها عائدات كافية لتسديد ديونها، وهذا ما يفسر سبب تهافت الجميع في العراق وجوار العراق في تمكين السيطرة على هذه المناطق.