تبني التشاؤم وقفلة الثورة

تبني التشاؤم وقفلة الثورة

فرحان كلش

الرؤى متباينة حول الحدث السوري الذي بلعت السنوات صوره، وأعادت إنتاج العواطف حوله بمزيد من التشاؤم والسوداوية، ونحن الكرد يحق لنا أخلاقياً ما لا يجوز لغيرنا بفعل مظلوميتنا التاريخية والممتدة كالسهم الضال نحو الآتي المتدارك على أقل تقدير.
القول إن التشاؤم لا يليق بالثوار صحيح، وحتى الكاتب الراكض من خلال قلمه على هامش الحدث لا ينبغي أن يتبنى هذه النظرة، ولكن ماذا يمكن عمله وما هو موضوعي ومنطقي جاثم كالفارس المجنون على ظهر الحقيقة.
ككردي أتساءل:أين هي القوى الناشطة في الحدث السوري التي يمكن أن تتبنى قضيتي؟
عقد كامل، ولم تلتفت جهة إلي، وتطرح عني رؤية اطمئنان وثقة بمستقبلي في سوريا إلى اللحظة على العكس تماماً كل القوى تضعني في الزاوية بحجج واهية، لأكون جزءاً منه، دون أن أحصل على مستحقاتي الحياتية والثقافية هذا ولم أصل بعد إلى إمكانية التفكير بوضع حقي في تقرير مصيري على طاولتهم.
الآن ثمة من يعتبر قتالهم ضد جناح كردي آخر وإخراجهم من أرض كردية تحريراً، ويغيرون ديمغرافية المكان، ومن حقي أن أمضي في أسئلتي: هل ستعيد هذه القوى أرضي لي يوماً،أم أن كل إجراءاتهم ستتحول إلى أمر واقع بعد سنين، وسيكون علي أن أتعامل معه بمعطياته المستجدة؟
العثمانيون الجدد وسلوقيوهم من المعارضة السورية يفرضون معادلاتهم في جغرافيتي، وعملية تتريك كل ما هو كردي جارية بوقاحة لا توصف، وأمام مرأى العالم، لا بل أن رجالات هذه المعارضة يبررون ذلك ويشوهون حقائق مثبتة لدى منظمات حقوقية دولية، واستطرد في سؤالي: هل سيترك الأتراك مااحتلوه من أرضي غير مشغولة يوماً ما، وكل حكايات احتلالاتها لم تنته إلا بتكريس وجودهم؟
هنا من حق الآخرين أن يتخيلوا أو يروا سياسياً أن مصير أرضي وهذه المناطق المحتلة متعلق بالحل السوري الشامل والنهائي، هذه تبقى رؤية يمكن الموافقة عليها أو رفضها كذلك، لأنه ببساطة هناك معادلات عدة تشكلت في هذا العقد من الصراع، فلا سلطة مستقبلية في دمشق دون حلفاء أنقرة وآخرين يشبهونهم في المنصات الأخرى والمتشكلة أساساً ليس وفق رؤى الحل، بل لإشراك الأطراف الإقليمية والدولية في المربح السوري في النهاية، ولا سلطة دون الذين قاتلوا طائفياً ويرون أن السلطة من حقهم، طالما هم أكثر من ظُلموا، وكذلك بحكم الأكثرية التي من حقها أن ترسم صورة الغد وفق ما ترى، وهنا أتساءل:ماهي السلطة التي ستطلب من أنقرة الانسحاب من الأرض السورية، خاصة إذا لم نغض الطرف عن أن رجال المستقبل السوري لحم أكتافهم من(خير أحفاد أرطغرل)؟
والقول ينطبق على كل أطر المعارضة بالعموم حول خياراتي الكردية، التي أدفن الحقيقية منها تحت لساني كي لا يزعل شركاء الوطن. الحقيقة لا تحتاج عينين لنراها، فالأعمى أيضاً يدركها بحواس التدارك العام لديه، الحقيقة تقول بوضوح أننا أمام مرحلة مفصلية، فتثبيت نظام حكم يحتاج ربما عقداً آخر، والتخلص من عقلية المعارضة المزيجة من عقليتي(البعث والعدالة والتنمية) يحتاج أجيالاً، لذلك التشاؤل المائل انحداراً إلى اللاثقة بالغد الممسوك برقبته حد الاختناق ليس رغبة بل حقيقة تطرق الرأس والمخيلة والتصور، ويمكنني أن أتذكر بأنني كتبت قصيدة إلى أطفال درعا منذ الأيام الأولى من ثورتهم كأغلب الحالمين الذين أرادوا التغيير ولو على هيئة سراب، وكتبت أن فعل الرفض موضوعي تماماً بفعل وصول النظام إلى مستوى، أنه هو تحديداً من هيأ أرضية المطالبة بتغييره، راكم الجرائم واللهو بمصائر الناس، ودهس القانون، وأجّل مستحقات العودة إلى الشعب، وكيف ذلك وأولى سمات الديكتاتورية تحويل العامة إلى عبيد وعدم السماع لمآسيهم، ولكنني اعتقدت أن الصراع سيمتد طويلاً وربما عقداً، ويمكنني القول الآن أن الكرد في مواجهتم النظام والمعارضة معاً قد يحتاجون سنوات طويلة أخرى.
ومن المؤسف كذلك أن قفلة الثورة أي وضع نهاياتها قد تكون على حساب جزء سوري وحتى أجزاء،لأن قيم الثورات غالباً ما تلطخها أخلاق حفنة رجال لا ينتمون إلى هذه القيم أبداً، ولا ألمح في منطق المعارضين السائد خلاف ما ذهبت إليه.
هذا تشاؤمي فلا تأخذوه، وهاتوا تفاؤلكم إن كنتم صادقين.