فوضى الديمقراطية والمثالية في زمن الأفواه الجائعة
ريزان باديني
مع اشتعال فتيل الأزمات والثورات التي عصفت بالمنطقة برمتها تحت مسمى الربيع العربي والتي أطاحت بأنظمة استبدادية وقمعية شتى وذلك بدعمٍ دولي خفي تارةً وأخرى بشكلٍ واضحٍ وصريح عن طريق تقديم الأسلحة للثوار تارةً أخرى، بدأت الشرارة الأولى بالاتقاد والاشتعال في مناطق مختلفة من كل أنحاء سوريا أيضاً، مع تلك الشرارة بدأ الحراك الجماهيري السلمي في جميع أنحاء سوريا تحت مسمياتٍ مختلفةٍ ومنها ما يعرف بالتنسيقيات أو المجالس المحلية ولكن بتسميات مختلفة حسب المنطقة التي نظَّمت هذه الفعالية هنا أو هناك وذلك لعدم وجود مظلة جامعة وشاملة لمختلف الانتماءات التي تجد في نفسها بأنها قوى معارضة للنظام الديكتاتوري في دمشق، لكن هذا الحراك الجماهيري والشعبي السلمي قوبل، وجُوبِه بقبضةٍ أمنية قمعية شديدة حيث لم يبخل النظام كعادته في استخدام الأسلحة النارية الحية بمختلف أشكالها وأنواعها، الأمر الذي كان يحصد في كل يوم عشرات القتلى والجرحى، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تطور مع مرور الأيام ليتحول الرقم إلى المئات ناهيك عن الجرحى، وما كان يزيد الطين بلةً هم الشبيحة الذين كان يتركهم النظام يصولون، ويجولون ليحصدوا الأرواح كالكلاب الشاردة والمسعورة دون أن يرف لهم جفن تحت عنوان «الأسد أو نحرق البلد» وهذا بالفعل ما كان يتم في سوريا، هذا الأمر أدى في نهاية المطاف إلى توجه تلك الفئة التي كانت تهتف للحرية بشكلٍ سلمي إلى حمل السلاح والمواجهة، النار بالنار، والقتل بالقتل والدمار بالدمار والثأر بالثأر، كل هذه الأمور خلقت فراغاً وفجوةً حقيقية في السعي نحو الهدف المنشود وهو محاربة النظام المجرم لوحده وذلك لعدة أسباب ومنها وكما يعلم الجميع أن النظام لم يكن بمفرده في الساحة الدموية حيث لجأ إلى استقدام واستجلاب العشرات من الميلشيات الإرهابية من شتى أصقاع الأرض كالمرتزقة الأفغان والإيرانيين و الباكستانيين وحزب الله اللبناني وغيرهم وبتسميات غريبة تدل على عنصريتها وعلى انتماءاتها الطائفية المختلفة والمذهبية بالإضافة إلى وقوف قوى عالمية إلى جانبه ودعمه في المحافل الدولية، وبالمقابل خفتت الأصوات الخجولة التي كانت تدّعي بأنها صديقة للشعب السوري و لم يتوقف الأمر أيضاً هنا عند المعارضة، وكما يعلم الجميع الأمر الذي لم يعد خافياً على أحد انقسمت المعارضة على نفسها أيضاً وأصبحت كل فئة تتبع للدولة المضيفة لها فتحولت إلى منصات ومنتديات وائتلافات خلبية لا تجدي وتغني عن جوع إلا في الدعم الذي تتلقاه من تركيا العدو اللدود للشعب الكوردي حيث كان منها ما كان سواء في عفرين أو سري كانييه «رأس العين» و گـري سبي « تل أبيض»، وغيرها من المناطق الكوردية من سلب ونهب وتعفيش وقتل وتهجير ناهيك عن ما قامت به من تغيير ديموغرافي للمناطق الكوردية و توطين النازحين العرب في تلك المناطق.
تحولت سوريا برمتها وبفضل معارضتها ونظامها إلى لهيبٍ حامٍ لا يعرف السكون بسبب الظلم والقهر الخانقين من كِلا طرفي الصراع، استمرت الحرب ولا تزال قائمة دون جدوى تذكر إلا في مجالٍ واحدٍ فلح فيه النظام ومعارضته وهو القتل والتدمير وفرض الحصار الخانق على الشعب السوري بمختلف انتماءاته وأعراقه وقومياته التي نكرها النظام سابقاً واليوم يسير على نهجه المعارضة التي توسم الجميع فيها خيراً، هذا الحصار الاقتصادي الخانق أدى بدوره أيضاً إلى نزوح الآلاف من الناس إلى دول الجوار بحثاً عن لقمة العيش ناهيك عن الأمن والأمان أما الدراويش الذين تشبثوا بأرضهم وبقوا ضمن سياج الذل والعار سياج الوطن نراهم تارةً في طوابير مؤلفة من آلاف الناس للحصول على جرةٍ من الغاز أو ربطةٍ من الخبز أو لترٍ من مادة المازوت ليدفئ به نفسه وعياله ويقيهم برد الشتاء ناهيك عن الأسعار الجنونية التي بدأت بالارتفاع. فإذا ما ترقبنا حركة الأسواق نلاحظ أن المواطن البسيط الذي يحلم كل يوم بقوت عيشه بحاجة إلى خمس مائة ألف ليرة سوريا كل شهر والرقم قابل للزيادة إلى أضعاف مضاعفة، ففي كل يوم نشهد صرخات الناس هنا وهناك، فمنهم من يشرح معاناتهم ويقول أنه لم يعد يعلم ماذا تعني لهم لفظة اللحم لأنهم نسوا هذه اللفظة، وهذه المادة التي بات سعر الكيلوغرام الواحد يتجاوز الخمسة عشر ألفاً، حدِّث ولا حرج هكذا هي الأسعار في هذا الأيام أما الخضروات فقد تحولت أسعارها هي الأخرى إلى الآلاف وأصبحت مرتبطة بسعر صرف الدولار بالإضافة إلى استغلال تجار الأزمات للوضع الراهن واحتكار السلع والبضائع و التحكم بالأسعار وخلق فوضى الغلاء دون رقابةً أو رادع لهذه الفئات الجشعة والطامعة والمتحكمة بمفاصل الحركة الحياتية للناس البسطاء.
من هنا تقترن كل الديمقراطيات الزائفة أو المثاليات التي ينشدها الجميع بالدكتاتوريات، فقد أثبت الجميع ضعف إرادتهم وقلة حيلتهم وجشع طمعهم في ملء جيوبهم ونهب ذلك الشعب المغلوب على أمره بحجة الحرب وتناسوا خدمة الشعب الذي أصبح أُضحيةً يساوم الجميع باسمه يبيعون ويشترون ويعقدون باسمه الصفقات وهو من كل تلك الأمور براءٌ، همهم ملء أفواههم، والأقزام الذين يُصفّقون لهم، ومن لف لفيفهم وحام حول قذارتهم ليرتزق من فتات عهنهم و أنت أيها الشعب كن على بيِّنةٍ وعلى ثقة أنك لا تساوي في كل هذه المعادلة شيئاً ولست محط أنظارهم أو الترؤف بحالكم فهم من يستفيدون منكم حتى في حروبهم يستخدمونكم كدروعٍ بشرية ليغتنموا من دمائكم التي تسال ما تسر بها خواطر سرائرهم، لذلك يتوجب على الجميع التضامن والتضافر يداً بيد وينتفضوا من جديد لإنهاء كل هذه المهزلة التي تسمى بالمعارضة والنظام معاً فلا تقوم الدول بدون الشعوب لأنه عماد استمراريته ومصدر شرائعه، الكل مدان أمامك أيها الشعب حتى يثبتون براءتهم منظمات، جمعيات، أحزاب معارضة، نظام، كلهم سواسية ومشتركون ضدك وما تكابده في محنتك.
أما في نهاية المطاف لا يسعنا إلا القول وبكل أسى لابد من الترحم على من فُقِدَ أو قُتِل أو استشهد أو انتحر أو شُرِّد أو نُزِّح عن دياره قسراً بلا هوادةً أو سابق إنذار و دون شفقةٍ أو رحمةً تذكر أو هُجِّر وأُغتُرِب عن وطنه الذي رَبي في كنفه ظناً منه أن الوطن الذي تحكمه جشاعة النظام سيؤمن له سياجاً يحميه من غدر الزمان إذا جار عليه وبات لاجئاً على أبواب الدول ينتظر منها نظرة عطفٍ ومأوىً يقيه ظلم البَرِيَّةِ وأهل التعدي والبأس وكل من سوَّلت وتسوِّل له نفسه في المشاركة المباشرة أو بشكلٍ آخر في المذبحة والفقر والتجويع والترهيب والمحرقة السورية.
أيها الشعب السوري بكل انتماءاتك كن بخير.