هل الدولة القومية ضرورة؟
بهزاد قاسم
إن وجود الدولة القومية في حياة أي شعب أو أمة هو المعنى الحقيقي لوجودها وضمان استمرارها الإنساني وحامية سلامة مواطنيها وأجيالها وعدا هذه الحقيقة كل ما يقال في هذا الصدد باسم الحقوق القومية او حقوق المواطنة كذب وخداع ودجل وكلام فارغ.
أحد رؤساء الولايات المتحدة الاميركية في إحدى خطاباته قال "إن القضايا الإنسانية تهم الولايات المتحدة كثيراً ولكن مصلحة الولايات المتحدة فوق أي اعتبار انساني " نعم يطرح وبكل شفافية تأتي مصالح الدول العظمى دول صاحبة القرار في المرتبة الأولى ليس في تكوين وصناعة الدول الجديدة فحسب بل و في كل الأمور التي تهم البشرية والعالم.
إن الأمر الطبيعي في السياسة و الصراع العالمي تفكك الدول القديمة وتكوين دول جديدة طبقاً لمصالح الدول العظمى المنتصرة في المراحل التاريخية المختلفة، كما حدث بعد الحرب العالمية الاولى فالإمبراطورية العثمانية تفككت بعد الحرب العالمية الاولى وتكونت دول ورسمت حدودها طبقا لمصالح الدول المنتصرة في الحرب. وفي حالة تكوين الدول الجديدة تأتي المرتبة الثانية حيث تدخل عامل جاهزية وإرادة الشعوب في تكوين الدولة القومية الجديدة الخاصة بها ومدى قدرة قيادة تلك الشعوب على اقناع الدول العظمى اصحاب القرار لخطوط التقاء مصالح تلك الدول مع الدولة القومية الجديدة، طبعاً كل ذلك تأتي في فترة تفكك الدول القديمة والبحث عن دول جديدة تلبي مصالح دول صاحبة القرار المنتصرة، هنا بالذات تأتي أهمية عامل الظروف الذاتية للشعوب ومدى نضجها ومدى قدرة قياداتها على استيعاب المرحلة وطرح سياساتها التي توافق بالدرجة الأولى مصالح الدول الكبرى وتتقاطع مع مصالح شعوبها للموافقة على إنشاء دولة قومية لها.
وبإسقاط الحالة هذه على المرحلة التي نعيشها الان من تفكك سوريا والفوضى العارمة في المنطقة وحالة الحركة الكوردية في الجزء الكوردستاني الملحق بسوريا، للأسف إلى الآن لم تستطع الحركة استيعاب المرحلة ولم تدرك إلى الان أن المنطقة في حالة شبه حرب عالمية وفي مرحلة تفكك دول قديمة وتكوين دول جديدة تلبي احتياجات ومصالح الدول العظمى، كما وأن الحركة غير قادرة على اقناع الدول العظمى قدرتها على تنفيذ وتأمين مصالحها في المنطقة بحيث تتقاطع مع مصالح الشعب الكوردي في حال إنشاء دولة قومية له، بل وحتى لم تستطع الخروج من الدائرة التي رسمها لهم حدود سايكس بيكو، فمازال الحركة الكوردية سورية بامتياز (وسوريا دولة عربية مهما كانت صفتها) وتبحث عن دولة المواطنة ولم تستطع فهم المرحلة واستحقاقاتها.
فالبحث عن دولة المواطنة السورية كالذي يبحث عن بوتقة لانصهار الشعب الكوردي في المجتمع العربي السوري، لأن سوريا دولة عربية مهما كانت صفتها.
أعتقد المرحلة تتطلب أن تطرح الحركة الكوردية في كوردستان سوريا مشروع دولة قومية متكاملة وكوردستان كوطن للجميع وفيه كل مقومات الدولة القادرة على الحفاظ على الأمن والسلم العالميين والحفاظ على مصالح الدول صاحبة القرار بالتوافق والتوازي مع مصالح الشعب الكوردي والأمة الكوردية، وكل ما عدا بناء الدولة القومية وكل ما يقال في هذا المجال من حقوق قومية يبقى دجل وكلام فارغ.