غُربة الروح
ســــيماف خالد محمد
غريبون نحن في هذا الوجود غربة لا ترتبط بالمكان ولا بالزمن، لا تخضع لقوانين الرحيل أو العودة، غربة لا يحلّها الانتقال ولا يخفّفها الاعتياد، في الحياة نحن كما الآخرون، نمارس التفاصيل ذاتها، نشارك الإيقاع نفسه، لكن شيئاً ما يبقى ناقصاً على الدوام، حضورٌ يكتمل في الجسد، ويتعثّر في المعنى، كأن الروح رغم قربها من كل شيء، تظل بعيدة عن المشهد كاملاً، تراه بوضوح تتفاعل معه لكنها لا تنتمي إليه انتماءً حقيقياً.
غريبةٌ أنا كأن هذا الكون لم يُصغَ لي، وكأن وصولي إلى العالم سبق كتابة اسمي في سرده الخفي، أمضي في الأيام كما يمضي العابرون، وكأن الزمن يمرّ بي دون أن يتوقف عندي، تحيط بي الأشياء، ألامسها وأتعايش معها، لكنها تبقى بلا ذاكرة تجاهي، لا تشير إليّ ولا تقول إن هذا الموضع لي، ولا تمنحني ذلك الاطمئنان الصغير الذي يهمس: هنا، يمكنك أن تكوني.
مقيّدةٌ أنا لا بما يُرى ولا بما يمكن الإشارة إليه، بل بما تعرفه الروح عن حريتها، وبما تتذكّره من اتساعٍ لا يُنسى، وحين تصبح الحرية معرفة داخلية، يتحوّل الحدّ إلى عبء، ويتحوّل السقف إلى اختناق.
أجلس بين الناس وروحي في مكانٍ آخر لا أعرف اسمه، ولا أعرف له طريقاً ولا أدري إن كان موجوداً حقاً، أم أنه مجرد حنينٍ قديم يسكنني ويتخفّى في هيئة حلمٍ مؤجَّل، مكانٌ أشعر به أكثر مما أعرفه، وأفتقده كما يُفتقد وعدٌ لم يتحقّق، أو حياةٌ لم أصل إليها يوماً، ومع ذلك تظلّ تقيم في داخلي.
غربة الروح ليست كغربة المكان، فغربة المكان تُحتمل لها نهاية محتملة أو عودة متخيَّلة، أمّا غربة الروح، فهي أن تكوني حاضرة في كل الأمكنة، دون أن يمنحك أيٌّ منها شعور الانتماء، أن يمرّ الزمن عليكِ بلا أثر وكأنه لا يعنيك، وأن تمري أنتِ عليه كعابرة في حياة ليست حياتك، تعيشين تفاصيلها بإتقان، دون أن تشعري يوماً أنها خُلقت لك.
هي شعورٌ دائم بأن هناك حياةً أخرى كان يجب أن تُعاش، وأن ما يُعاش الآن ليس إلا مرحلة عابرة في طريقٍ أطول، وأن هذا التيه مهما طال، يحمل في داخله معنى لم ينكشف بعد، هي قناعة هادئة بأن هذه الحياة ليست حكاية كاملة، بل فصلاً مؤقتاً لم يُغلق بعد.
صوتٌ داخلي ساكن، يكتفي بأن يترك الباب موارباً لاحتمالٍ آخر، هو حضور معلّق بين القرب والبعد، إحساس بالوجود دون اكتمال، وانتظار لحظة صافية، يشعر فيها القلب أن ما ينتظره لم يضع هباءً، وأن الطريق مهما طال لا ينتهي بلا معنى.