سقوط النخبة -قضية ابشتين نموذجا
الدكتور: فرحان عبدالله
من وجهة نظري، تمثّل قضية إبشتاين نموذجًا فاضحًا ومكثفًا لانحطاط النخب المعاصرة، لا بوصفها قضية جنائية معزولة، بل باعتبارها حدثًا كاشفًا لأزمة بنيوية عميقة في التكوين الفكري والاجتماعي والأخلاقي والنفسي لما يُسمّى «مجتمع النخبة». إنها لحظة انكشاف، يظهر فيها ما كان مستترًا خلف خطاب القيم والتمدّن والشرعية. فالوصول إلى هذا المجتمع بات هدفًا يتنافس عليه كثيرون، مستخدمين وسائل سطحية وتافهة، على أساس وهمٍ مفاده أن الثروة والنفوذ يمنحان حصانة مطلقة وحقًا غير مُعلن في الإفلات من المحاسبة.
غير أن خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في تفاصيلها الصادمة، بل في كونها لم تكن مفاجئة لمن يقرأ تاريخ النخب الحاكمة وأصحاب المال والسلطة عبر العصور. فما تكشفه قضية إبشتاين ليس انحرافًا استثنائيًا ولا ظاهرة حديثة، بل استمرار لنمط تاريخي متكرر، حيث تؤدي السلطة غير الخاضعة للمساءلة إلى انفلات أخلاقي ممنهج. فالعلاقة بين القوة المطلقة وتشييء الإنسان علاقة قديمة بقدم السلطة نفسها.
عبر التاريخ، لم تكتفِ النخب بممارسة هذا الانفلات في الخفاء، بل سعت أحيانًا إلى شرعنته عبر خطاب ديني أو فكري يخدم السلطة. فقد وجدنا رجال دين ومفكرين مرتبطين بالحكام قدّموا فتاوى وتأويلات خاصة تبيح ارتكاب فظائع جسيمة بحجج السيادة، أو المصلحة، أو التفويض الإلهي. ويكفي أن نستحضر تاريخ البلاطات السلطانية في عصور مختلفة: آلاف الجواري، واغتصاب نساء الخصوم أو الموظفين كوسيلة إذلال سياسي، وانتشار عشق الغلمان بوصفه امتيازًا طبقيًا لا يُساءل عنه. كما تفيض بعض المصادر التاريخية بوصف ممارسات تعذيب مرضية، كان الحكام والقادة يتلذذون بابتكارها بطرق تتجاوز الخيال، وصولًا إلى إذلال الأسرى وإخضاعهم لطقوس قهرية شديدة الوحشية.
هذه الوقائع، بصرف النظر عن اختلاف درجات توثيقها، تشير إلى حقيقة واحدة ثابتة: حين تنفصل السلطة عن المحاسبة، وتتحالف مع خطاب أخلاقي أو ديني تبريري، يتحول الإنسان إلى مادة استعمال. ومن هذا المنظور، لا تبدو قضية إبشتاين قطيعة مع الماضي، بل إعادة إنتاج حديثة لمنطق قديم، مع اختلاف الأدوات والسياق فقط.
تكشف هذه القضية بوضوح صحة ما يمكن تسميته بنظرية انحطاط النخب، حيث تميل الطبقات الحاكمة والمتحكمة، التي تضع القوانين ولا تخضع لها، إلى تشكيل دوائر مغلقة من الحماية المتبادلة، تقوم على الإعفاء الأخلاقي والقانوني. في هذه الدوائر، لا يُكبح السلوك الافتراسي، بل يُطَبَّع ويُعاد إنتاجه باعتباره امتيازًا. لا يُعاقَب هذا السلوك، بل يُشجَّع ليصبح أداة تماسك داخلي وسيطرة، ويُمارَس داخل شبكات معزولة تحكمها الرغبات والغرائز لا المسؤولية العامة، ويصونها الصمت المتبادل والتواطؤ القائم على الجريمة المشتركة.
تُظهر شبكة إبشتاين انهيار منظومة القيم حتى في حدّها الأدنى، حيث تُستبدل الكرامة والمسؤولية والأخلاق بمنظومة قائمة على الإشباع والتسلط. تتحول الأخلاق إلى خطاب تجميلي منفصل عن الممارسة، بينما تصبح اللذة والهيمنة مبادئ تنظيمية خفية لحياة النخب. وبدل أن تقوم النخب بوظيفتها المفترضة في كبح الدوافع الغريزية والعدوانية وتساميها لبناء منظومة حضارية فكرية وثقافية، تكشف هذه القضية فشل هذا التسامي، ليس فقط لدى النخب، بل أيضًا لدى كثيرين من الطامحين للانضمام إليها.
هذه النخب، المحمية بالسلطة أو المال من أي حدود قانونية أو أخلاقية، تُظهر سيطرة كاملة لـ«الهو»، مع تعطّل «الأنا» وموت «الأنا الأعلى»، ما يفضي إلى انفلات سلوكي يتمثل في استغلال قهري ومتكرر، وإيذاء جسدي ونفسي يُمارَس من أجل المتعة، خارج أي معيار قيمي أو إنساني. ولا يقتصر التواطؤ على المجال الجنسي، بل يمتد إلى الاقتصاد، والبيئة، والتعليم. وما يبدو انحرافًا فرديًا ليس في حقيقته سوى انهيار أخلاقي جماعي وارتداد نفسي مُنظَّم، مُمكَّن ومحمِي اجتماعيًا داخل بنية النخبة.
كما تكشف القضية مسؤولية المجتمعات والمؤسسات التي تكافئ الامتثال والانتهازية والفراغ الأخلاقي، وتقصي المبادرة والتفكير النقدي والإبداع العلمي والقيمي. وكأن ثقافة التفاهة لم تعد عرضًا جانبيًا، بل سياسة غير معلنة، تُسهِّل صعود طبقات اجتماعية تؤدي وظيفة الجدار الواقي للنخب العليا.
في المحصلة، تشير قضية إبشتاين إلى تحوّل أعمق في المجتمع المعاصر: ارتداد من الإنسانية الأخلاقية إلى نظام تحكمه الغرائز البيولوجية، حيث تتصدر اللذة والسلطة والثروة والهيمنة المشهد. وفي هذا السياق، تُهمَّش قيم إنسانية جوهرية مثل التعاطف، والتعاون، والعدالة، والأمان، والتعليم، والاحترام، كاشفةً عن حضارة تنزلق تدريجيًا نحو إدارة نفسها بدوافعها الأكثر بدائية، وبأقل اعتبار للإنسان بوصفه كائنًا واعيًا قادرًا على التطور والرقي.