الطلبة في صلب التحول المجتمعي

الطلبة في صلب التحول المجتمعي

روشن محمد بلي

يشكل الطلبة جوهر أيّ تحول مجتمعي حقيقي، لا بحكم ثقلهم العددي فحسب، بل لما يمتلكونه من قدرة على إنتاج الوعي وإعادة صياغة المعنى في لحظات الانكسار التاريخي. فعلى امتداد أربعة عشر عاماً من الحرب والفقدان والإقصاء، لم يكن الطالب خارج المشهد، بل في تماس مباشر مع نتائجه: نزوح يهدد الاستقرار، وواقع يقيد الحضور، ومسار عام عمل على تأجيل دوره الطبيعي. من هنا، لا يقتصر السؤال على حجم المعاناة، بل على موقع الطالب منها: هل بقي الوعي الذي راكمه حبيس المعرفة، أم بات قادراً على التحول إلى فعل يغير المسارات السياسية والاجتماعية، ويسهم في إعادة بناء مجتمع متماسك؟

لم تكن أزمة الطالب في جوهرها أزمة كفاءة أو طموح، بل أزمة سياق، فقد تحول التعليم تحت ضغط الحرب من مساحة لإنتاج الوعي والمبادرة إلى وظيفة شكلية محدودة الأثر، فانفصلت المعرفة عن واقعها وتراجع حضور الطالب كفاعل اجتماعي، ليدفع تدريجياً نحو موقع المتلقي الصامت. غير أن هذا التراجع لم يلغ الدور، بل علقه، ولم يطفئ الوعي، بل راكمه في انتظار لحظة الفعل.

فالقائد الخالد ملا مصطفى بارزاني، حين وصف الطلبة بأنهم رأس الرمح في كافة الثورات والانتفاضات، لم يقدم توصيفاً عاطفياً، بل قراءة سياسية لدور اجتماعي حاسم. فالطلبة بحكم موقعهم بين المعرفة والواقع، كانوا دوماً الفئة الأقدر على تحويل الفكرة إلى فعل، والهوية إلى ممارسة، والرفض إلى مشروع تغيير. هذا الدور لم يكن استثناءً تاريخياً، بل نمطاً متكرراً يؤكد أن التحولات الكبرى تبدأ من الوعي حين يتحمل مسؤوليته.
اليوم، في مرحلة ما بعد الحرب، يعود هذا الدور ليصبح أكثر إلحاحاً. فإعادة البناء لا تقتصر على ترميم ما تهدم مادياً، بل تتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين المعرفة والواقع، وبين السياسة والحياة اليومية. وهنا يبرز الطالب كعنصر مركزي في هذه العملية، لا بوصفه مستقبلًا مؤجلاً، بل حاضراً فاعلًا، قادراً على المساهمة في إنتاج خطاب جديد، وممارسة جديدة، ومسار مختلف.

إن الطلبة، حين يحملون وعيهم إلى الفضاء العام، وحين يربطون المعرفة بالفعل والمسؤولية، لا يستعيدون دورهم فحسب، بل يؤسسون لتحوّل مجتمعي حقيقي. وبهذا المعنى، لا يعود توصيفهم كرأس رمح مجرد إرث تاريخي، بل واقعاً متجدداً، يثبت أن المجتمعات لا تبنى من فوق، بل تبدأ من حيث يقف الوعي في مواجهة واقعه، ويقرر أن يكون فاعلًا فيه.