تشيُّؤ المنظومة القيمية في ظل «الماخور» العالمي
علي جزيري
نعني بالتشيؤ هاهنا، بلوغ الامبريالية مرحلة التوحش، وتسليع كل شيء وتطويع القيم البشرية (الأخلاق)، كي تخدم هيمنتها المطلقة على اقتصاد العالم، حتى غدا الانسان «الضحية» بمنظورها المنحرف مجرد «سلعة»..!
وهاهو العالم يعيش منذ أيام حالة هيجان حيال فضيحة كبرى، نسجها وسربها عميل الموساد، الملياردير ورجل الأعمال جفري إبستين. لم يكن قائد الأوركسرا المذكور مجرد منحرف جنسي، وهو يقود شبكة دعارة، بل أذهلتنا ملايين الوثائق والصور والفيديوهات، كوسيلة ابتزاز لإدانة زبائنه المتورطين من القادة ورجال السياسة والمال، ممن كانوا يمارسون الاغتصاب والتجارة بالقاصرات أو يُقدمون على تناول لحمهن على موائده الليلية، وتبين أن بعض ضحاياه من خلفيات فقيرة؛ جذبهن بالترغيب والترهيب.
مات جفري في زنزانته عام 2019، لكنْ الملفات التي خلَّفها أزكمت برائحتها الأنوف، وفضحت زبائنه، وانتشرت في أرجاء العالم كالنار في الهشيم. ينبغي القول إن ما نُشر غيض من فيض، وما خفي أعظم..!
لقد استنكر العالم فضيحة العصر هذه، التي طالت المبعوث الأمريكي المتعجرف في سوريا، الملياردير توم براك، وسيد البيت الأبيض بسلوكه العنجهي ترامب، الذي ورد اسمه 1500 مرة في الوثائق المسربة، واللذين تربطهما صداقة وطيدة مع جفري، فكانا من زبائنه، والذي وصفه ترامب بالرجل الرائع؛ كما تلقى توم رسالة من جفري، يقول فيها: ارسل لي صورتك برفقة الطفل، دعني أبتسم. نتساءل: لِمَ أرسل توم صورة الضحية إلى رجل مدان بالاعتداءات الجنسية؟ والجواب يوحي به المثل الدارج: "وعند جُهينة الخبر اليقين".
الشبكة كبيرة، تضمُّ شخصياتٍ عربيةً وأجنبيةً معروفة، وتضم أردوغان، الذي باع بدوره أطفالاً لجفري مقابل 200 مليون دولار.
لكنْ، قس على ماذكرناه الوجه الآخر للسحارة، أعني ما يجري من فظائع في مستنقعات «شرقنا التعيس»..! فماذا نقول عن ظاهرة التحرُّش بالفتيات أو إجبار القاصرات منهن تحديداً على الزواج؟ وماذا عن مفاخذة الرضيعة؟ أو زواج المتعة لدى الشيعة الامامية، لمدة ساعة أو يوم أو أسبوع أو شهر أو أكثر، في ظل فقه ولاية الفقيه في إيران، وزواج المسيار لدى أهل السنة في دول الخليج، وزواج المسفار إبان السفر بنية الطلاق بعده، بالاضافة إلى «جهاد النكاح» الذي تُشَرْعِنْهُ الفصائل التكفيرية في غزواتها لبلاد الآخرين. أليست هذه بعض أوجه الإباحية أو الدعارة المقنعة؟ وهل يُخفى قدوم أثرياء الخليج إلى بلاد الشام، وينكحون ما طاب لهم، بكتاب يوقعه المأذون، ثم يرحل الزائر ويترك الفتاة وهي حامل، ولا يبالي بمصيرها ومصير الجنين في رحمها... أليس كل ما ذكرناه نسخة عما جرى في جزيرة إبستين ويتم التستر عليه؟
ولن ننسي مأساة الفتاة الكردية العفيفة جينا أميني، من شرقي كوردستان، التي اقتادها "بوليس الأخلاق" إلى المعتقل، رغم أنها كانت تتسوق في طهران برفقة شقيقها، تحت ذريعة بروز خصلة من شعرها، وقُتِلتْ تحت التعذيب في أيلول 2022، مما أثارت هذه الجريمة النكراء استنكاراً واسعاً داخل ايران وخارجها، وسرعان ما تحولت الضحية إلى رمز عالمي للاحتجاج على القمع وانتهاك حقوق النساء.
الحقيقة الصادمة - التي لا يرقى إليها الشك - ان هؤلاء السفلة هم الذين يقودون اليوم العالم نحو الهاوية، ويتحكمون بمصائر الشعوب..!