الرئيس مسعود بارزاني… حين تتحوّل القيادة إلى ضمير شعب
سيماف جان
في الأزمنة العادية، يكثر المتحدّثون باسم الشعوب، لكن في أزمنة الكوارث لا يبقى في الميدان سوى القادة الحقيقيين. هناك، حيث تختلط دماء الأبرياء بصراخ الأمهات، وحيث يصبح الانتقام فكرة مغرية، يظهر الفرق الجوهري بين من يقود الغضب، ومن يقود الضمير.
الرئيس البارزاني لم يكن يومًا قائد لحظة، بل قائد مسار. لم تُشكّل مواقفه استجابة لانفعالات الشارع، بل جاءت دائمًا محكومة ببوصلة أخلاقية ثابتة.
حماية الكورد دون أن يتحوّلوا إلى ظالمين، والدفاع عن الحق دون أن يُدنّس بالكراهية.
منذ بدايات نضاله، فهم الرئيس البارزاني حقيقة عميقة أن الشعب الذي يُبنى وعيه على الانتقام، محكوم بأن يورّث أطفاله الدم بدل المستقبل. لذلك كانت رسالته الدائمة لشعب كوردستان واضحة، وإن لم تُرفع كشعار صاخب.
لا تأخذوا البريء بجريرة المذنب، ولا تجعلوا الظلم مبررًا لظلم آخر.
الكورد، الذين عرفوا الإبادة والتهجير والكيماوي والأنفال، كانوا أكثر الشعوب قدرة على الانزلاق نحو الكراهية، لكنهم بفضل قيادات حكيمة اختاروا طريقًا آخر. لم يكن ذلك ضعفًا، بل وعيًا نادرًا بثمن الحقد. ومسعود بارزاني كان في قلب هذا الوعي، لا فوقه.
في كل أزمة مرّت على كوردستان، كان السؤال الأخطر ليس: كيف نردّ؟ بل: كيف نبقى على حق ونحن نردّ؟ هذا السؤال هو جوهر فلسفة بارزاني في القيادة.
حين كان يمكن للغضب أن يتحوّل إلى سياسة، وقف ليقول لشعبه إن المظلوم لا يصبح عادلًا بمجرد أنه مظلوم، وإن الكورد لم يكونوا يومًا مع فكرة العقاب الجماعي، ولا مع الكراهية العابرة للحدود والهويات. المذنب يُحاسَب، نعم، لكن البريء يُحمى مهما كانت هويته.
هذه الرسالة لم تكن موجّهة للكورد فقط، بل لكل من يعيش على أرض كوردستان. العرب، التركمان، الآشوريون، الكلدان، الأرمن، المسلمون، المسيحيون، الإيزيديون… جميعهم وجدوا في خطابه ضمانة أخلاقية قبل أن تكون سياسية. فالتعايش في فكر البارزاني ليس تسامحًا من موقع قوة، بل شراكة في الإنسانية.
والمفارقة المؤلمة أن شعب كوردستان، رغم كل ما قدّمه من حب وتقدير وتسامح وعيش مشترك، ظلّ في كثير من الأحيان وحيدًا في مآسيه. قدّم الأمان لغيره، لكنه لم يُمنح الأمان حين احتاجه. فتح أبوابه للاجئين، بينما أُغلقت أبواب العالم في وجه ضحاياه. ومع ذلك، لم يتحوّل هذا الخذلان إلى حقد.
في ملف روج آفاي كوردستان، تجلّت حنكة الرئيس البارزاني بأوضح صورها. لم يتعامل مع القضية الكوردية في سوريا كملف شعارات، بل كقضية شعب مهدد بالاقتلاع. طرق أبواب العالم بصبر رجل يعرف أن الصراخ لا يبني تحالفات، وأن الحقوق تُحمى حين تُقدَّم للعالم بلغة العقل والقانون.
تحرّك بين العواصم، خاطب الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، القوى الدولية، لا بصفته زعيمًا قوميًا فقط، بل بصفته رجل دولة يحمل ملفًا إنسانيًا. لم يطلب امتيازات، بل طالب بالحماية، لم يروّج للكراهية، بل حذّر من نتائج الظلم. وهكذا، كسب ثقة العالم لا بالقوة، بل بالمصداقية.
في زمن أصبحت فيه السياسة مرادفًا للمصالح الضيقة ظهر البارزاني كاستثناء. رجل يقدّم الحكمة على الشعبوية، والعدل على الانتقام، والإنسان على الحسابات الباردة. لم يكن ذلك الطريق الأسهل، لكنه كان الطريق الوحيد الذي يضمن بقاء الكورد قضية عادلة لا مجرد صراع آخر في سجل الدم.
لهذا أصبح مرجعًا، لا للكورد فقط، بل لباقي المكونات في العراق ودول الجوار. حين تتعقّد الأزمات، يُستدعى صوته. وحين يبحث العالم عن طرف عاقل في منطقة مشتعلة، يُشار إليه. لأنهم يعرفون أن هذا الرجل لا يوقّع على الدم، ولا يساوم على الكرامة.
وحين نصل إلى السؤال الأصعب: ماذا لو وصل الأمر إلى إبادة شاملة للكورد؟
هنا، لا يتحدث البارزاني بلغة السياسة، بل بلغة المصير. هو من القلائل الذين أثبتت مسيرتهم أن القيادة ليست امتيازًا للبقاء، بل استعدادًا للتضحية. إن تُرك شعبه وحيدًا مرة أخرى، فلن يكون شاهدًا محايدًا، بل سيكون في الصف ذاته، يدفع الثمن معهم، لا فوقهم.
هكذا تُقاس عظمة الرجال. لا بعدد الخطب، بل بقدرتهم على حماية شعبهم دون أن يفقدوا إنسانيتهم.
وهكذا أصبح مسعود بارزاني رجل الحكمة والعدل في زمنٍ يعبد الانتقام، ورجل التوازن في عصر الاختلال، وضميرًا حيًا في مرحلة يساوم فيها الكثيرون على الدم.
هذه ليست أسطورة، بل سيرة موقف، وليست مبالغة، بل قراءة هادئة لرجل اختار أن يكون قائدًا للحق، لا سيدًا للغضب.