دمشق وقسد: اتفاق مؤجّل وأسئلة مفتوحة
خوشناف سليمان
منذ توقيع تفاهم 10 آذار 2025 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. بقي الاتفاق معلّقًا بين الإعلان والتنفيذ. لم يُلغَ ولم يُفعَّل. بل استقرّ في منطقة رمادية تعكس طبيعة الصراع السوري نفسه.. تفاهمات مؤقتة وحسابات متشابكة. وإرادات مؤجَّلة.
الاتفاق في صيغته المعلنة. حاول مقاربة أحد أعقد ملفات البلاد. وهو ملف شمال وشرق سوريا. حيث تتداخل السلطة العسكرية بالإدارة المدنية. وتتصادم الهويات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية. غير أن ما تلا التوقيع أظهر أن الوثيقة أقرب إلى إطار سياسي هش.
دمشق.. استعادة الدولة أم استعادة السيطرة؟
تعاملت دمشق مع التفاهم من زاوية أمنية في المقام الأول. ففكرة (دمج المؤسسات) طُرحت بوصفها إعادة بسط للسلطة المركزية. لا كمدخل لإعادة تعريف الدولة أو تحديث بنيتها. حتى اللحظة. لم يصدر أي التزام دستوري مكتوب يضمن اللامركزية أو يعترف بالحقوق القومية للكرد ضمن صيغة واضحة ومُلزِمة.
إلى جانب ذلك. يبدو أن سياسة الانتظار لا تزال الخيار المفضّل. لا استعجال في التنفيذ. ولا رفض صريح. بل رهان على تغيّر الظروف الدولية أو إنهاك الطرف المقابل.
قسد.. حذر وجودي وحسابات داخلية
في المقابل. لا يمكن فصل تردّد قوات سوريا الديمقراطية عن تاريخ طويل من انعدام الثقة مع السلطة المركزية. التجربة الكردية مع الدولة السورية تجعل أي خطوة غير محمية بضمانات حقيقية مغامرة مكلفة. لذلك بقيت قسد حذرة. توازن بين الضغط السياسي ومخاوف التفكك.
كما أن داخل الإدارة الذاتية نفسها تباينات حول سقف التسوية الممكنة وتوقيتها. ويضاف إلى ذلك الارتباط الواقعي بالدعم الأمريكي. حيث تفضّل واشنطن إدارة التوازن ومنع الانفجار على دفع الأطراف نحو حل نهائي.
هل ما زالت (سوريا الديمقراطية) توصيفًا دقيقًا؟
من جهة أخرى. لعب الرئيس مسعود بارزاني دورًا فاعلًا في تهدئة الأوضاع خلال هذه الفترة. حيث سعى عبر الحوار والطرق السلمية إلى تقليل التصعيد بين قسد وحكومة دمشق. وقد قدّم نصائح عملية للطرفين. داعيًا إلى تشارك جميع مكونات الشعب السوري في بناء دولة ديمقراطية لامركزية تضمن الحقوق الدستورية لكل المواطنين مع الحفاظ على الحقوق القومية للكرد بخصوصيتها.
هذا الدور جاء ليخفف من احتمالات الانفجار العسكري. ويؤكد أهمية الحلول السياسية والتوافق على مبدأ الشراكة الوطنية بدل لغة السلاح والصدام المباشر. على نحو أوسع
مع تزايد حالات الانحياز العلني أو الضمني لقيادات والشخصيات العربية داخل مناطق كردية لصالح حكومة دمشق. يبرز سؤال لم يعد ثانويًا.. إلى أي حد ما زالت تسمية (قوات سوريا الديمقراطية ) تعبّر عن واقع هذه القوة؟
هذا الواقع يفتح نقاشًا مشروعًا داخل الشارع الكردي حول معنى الشراكة وحدودها. وحول ما إذا كان مشروع (الديمقراطية السورية) ما زال جامعًا بالفعل. أم تحوّل إلى مظلّة اسمية غير متكافئة.
العامل الدولي.. إدارة الصراع لا حلّه
يلعب العامل الدولي دورًا حاسمًا في إبقاء الاتفاق مؤجّلًا. الولايات المتحدة لا تريد انفجارًا. لكنها لا تضغط لفرض تسوية نهائية. روسيا تدعم دمشق. لكنها تستخدم الملف الكردي كورقة تفاوض إقليمي. أما تركيا. فتبقى العامل الأكثر حساسية. إذ ترفض أي صيغة تُبقي لقسد وزنًا سياسيًا أو عسكريًا. وهو ما ينعكس مباشرة على حسابات دمشق.
في هذا السياق. يتحوّل الاتفاق إلى أداة لإدارة الأزمة بدل حلّها.
الحرب الصامتة على قسد
إلى جانب التعقيدات السياسية. تعرّضت قوات سوريا الديمقراطية خلال الفترة الأخيرة لما يمكن وصفه بـ حرب صامتة متعددة الأوجه. كان أحد أخطر عناصرها الخذلان الداخلي. فقد شهدت صفوف قسد حالات انحياز وانسحاب لعدد من الضباط والعناصر المحسوبين على المكوّن العربي. لصالح حكومة دمشق. الأمر الذي انعكس سلبًا على تماسك وهيكلة المؤسسة العسكرية.
هذا التفكك الداخلي أسهم في تسريع انسحاب قسد من محافظتي الرقة ودير الزور. ورغم أن الانسحاب من هاتين المنطقتين كان مطروحًا سابقًا ضمن تفاهمات غير معلنة مع دمشق. فإن ما جرى على الأرض جاء أسرع وأكثر فوضوية نتيجة انهيار الثقة داخل بعض الوحدات. لا نتيجة تنفيذ منظّم لاتفاق سياسي.
أمام هذا الواقع. أعادت قسد تموضعها العسكري. متجهة إلى الحسكة. باعتبارها المنطقة ذات الثقل الكردي. استعدادًا لمواجهة تحديات أمنية مركّبة. فالقوة باتت عمليًا أمام ثلاثة تشكيلات معادية في آن واحد..
الجيش العربي السوري مدعومًا بقوات وضباط أتراك وبأسلحة ثقيلة. مجموعات من العشائر العربية المسلحة. إضافة إلى الخطر المستمر لتنظيم الدولة الإسلامية. (داعش)، الذي يستفيد تقليديًا من حالات الفوضى والتفكك.
إن تفاهم 10 آذار لم يسقط. لكنه لم يبدأ فعليًا. ما نشهده اليوم هو هدنة سياسية طويلة. وتفاوض بلا أفق محدّد. وملف مؤجّل بانتظار تحوّل كبير في موازين القوى أو ضغط دولي جدي يفرض تسوية حقيقية.
إلى ذلك الحين. تبقى الأسئلة مفتوحة.. هل تتجه سوريا نحو عقد وطني جديد يعترف بتعدديتها. أم نحو إعادة إنتاج الأزمة بصيغة أكثر هدوءًا وأطول عمرًا؟