مرسوم الاعتراف بالكرد في سوريا.. خطوة تاريخية نحو التغيير والتوافق الوطني
معاذ يوسف
يعدُّ إصدار المرسوم رقم /13/ خطوة تاريخية جريئة ومهمة في سياق التطورات السياسية والقانونية في سوريا، حيث يمثل بداية اعتراف رسمي وواضح بالوجود الثقافي والاجتماعي والحقوقي للكرد داخل الأراضي السورية. منذ تأسيس الدولة السورية، كانت قضية الاعتراف بالهوية الكردية من المسائل المهمة التي لم تحظَ بالتقدير الكافي، وظلّت السياسات الرسمية تتسم بسياسة التهميش والإقصاء، بل بمحاولات قمعية تهدف إلى طمس الوجود الكردي. حتى خلال فترة الاستعمار الفرنسي، كانت السلطات تتجنب الاعتراف بالوجود الكردي، بل كانت تغلق الجمعيات والمنظمات التي أسسها الكرد، وتمنعهم من التعبير عن هويتهم.
على الرغم من أن المرسوم يحمل في طياته العديد من الإيجابيات، إلا أنه لا يخلو من بعض النقاط التي تحتاج إلى مراجعة وتطوير من الناحية القانونية، خاصة من حيث دقة المصطلحات وتحديد المفاهيم، لضمان توافقه مع الدستور السوري الذي يركز على وحدة الدولة وسيادتها، فضلاً عن الحقوق الأساسية للمواطنين. ومع ذلك، فإن أهميته تكمن في كونه نقطة انطلاق لبناء علاقة جديدة ومتوازنة بين الدولة والأقلية الكردية، حيث يمكن أن يُشكل أساساً لتطوير سياسات دستورية وقانونية تسمح بمزيد من الحقوق والمبادرات الثقافية والتعليمية والحقوقية للأكراد، بما يعزز من مفهوم المواطنة ويكفل حقوقهم المشروعة.
أما من الناحية السياسية، فإن هذا المرسوم يحمل رسائل مهمة، فهو يعكس رغبة الدولة في تصحيح مسارها، ويؤكد أن الاعتراف بهوية الكرد لا يشكل تهديدا لوحدة البلاد، بل يمكن أن يكون عامل استقرار وتكامل. إن اعتراف المرسوم بعيد نوروز يوماً وطنياً، واعتبار يوم /21/ مارس عطلة رسمية، يمثلان رمزين قويين على التقدير الرسمي للهوية الكردية، ويساهمان في تقوية روابط التفاعل بين المكونات السورية المختلفة. ومع ذلك، تبقى هناك تحديات تتعلق بكيفية استثمار هذه الخطوة من قبل القوى السياسية الكردية، التي يتوجب عليها أن تتبنى مشروعاً وطنياً شاملاً يضمن حقوق جميع المكونات، ويعزز من الوحدة الوطنية، بدلًا من التوجه نحو مطالب قد تثير حساسيات داخلية أو خارجية، خاصة في سياق التوترات الإقليمية والدولية.
إن مسألة إعادة النظر في وضع العائلات الكردية التي لم تُسجل رسمياً، والتي عرفت بمكتومي القيد، تُعد من القضايا الإنسانية والحقوقية الكبرى التي يهدف المرسوم إلى معالجتها، فهي تساهم في تصحيح الظلم التاريخي الذي تعرضت له تلك العائلات، وتوفر لهم فرصة للحصول على الجنسية السورية بشكل قانوني ورسمي، مما يضعُ حداً لآثار التمييز، ويعزز من حقوقهم المدنية والاجتماعية. إن هذا الإجراء، إلى جانب رفع الحظر عن اللغة الكردية، واعترافها كلغة رسمية في التعليم والثقافة، يمثل خطوة مهمة نحو تصحيح الأوضاع الثقافية والاجتماعية التي عانت من القمع والتهميش في السابق، حيث كانت اللغة الكردية محرمة في المؤسسات الرسمية، وكانت المطابع والأدباء يضطرون إلى العمل سراً، مما أدى إلى فقدان جزء كبير من التراث الأدبي والثقافي الكردي، وخلل في تطوره الطبيعي، الأمر الذي يمكن أن يتغير الآن لصالح تعزيز الهوية الثقافية والتاريخية للكرد.
على المستوى التاريخي، يؤكد المرسوم أن الوجود الكردي في سوريا هو وجود أصيل، وليس طارئاً، وأن السياسات السابقة التي حاولت إقصاءه أو تهميشه، أدت إلى شرخ مجتمعي عميق، خاصة على مستوى العلاقات الاجتماعية والعشائرية، حيث استمرت الروابط العائلية والتواصل الاجتماعي عبر الحدود، رغم التحديات والضغوط السياسية. إن هذا التاريخ يعكس أن الشعب الكردي، على الرغم من محاولات الطمس والتهميش، ظلّ متمسكاً بهويته، وأنه يمتلك الحق في أن يُعامل كمكون أصيل من مكونات المجتمع السوري، ويجب أن يُعامل على هذا الأساس في إطار دولة قانون ومواطنة.
لكن، رغم كل هذه الإنجازات، فإن التحديات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بمشاريع التغيير الديموغرافي المزعومة، والتعويضات، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، والجبر الجماعي للضحايا، التي تتطلب جهوداً إضافية من الحكومة السورية، ومن المجتمع الدولي، لضمان تحقيق العدالة الشاملة.
إن مستقبل القضية الكردية في سوريا مرهون بشكل كبير بمدى قدرة القوى السياسية الكردية على توحيد رؤاها، وتطوير برامج سياسية واجتماعية تعبر عن تطلعاتها، وتقديم مشروع وطني يضمن حقوق جميع مكونات المجتمع، ويؤسس لعلاقات تعاون وتفاهم مع باقي المكونات السورية. كما أن استثمار هذا المرسوم في تعزيز مفاهيم المواطنة، والتعايش السلمي، واحترام التنوع، هو السبيل لضمان استقرار البلاد، وتحقيق السلام الاجتماعي.
مرسوم الاعتراف بالوجود الكردي في سوريا، رغم ما يكتنفه من تحديات، يُعدّ خطوة تاريخية مهمة، تفتح آفاقاً جديدة لبناء دولة ديمقراطية تعددية، تتقبل التنوع، وتكرس مبادئ العدالة والمساواة بين جميع مكوناتها. وهو بمثابة بداية عملية لإعادة الاعتبار للهوية الكردية، وتأكيد أن حقوق الأقليات ليست امتيازات، بل هي حقوق دستورية وحقوق إنسانية، يجب أن تُحترم وتُعزز في إطار سيادة القانون.
إن العمل على تطوير هذا المرسوم، وتفعيله بشكل واقعي، يتطلب تضافر جهود المجتمع المدني، والنخب القانونية، والسياسية، لضمان أن يتحول إلى واقع ملموس يُسهم في استقرار سوريا، ووحدتها، وتقدمها.