العيش تحت حكم الديكتاتور… أو فيدرالية ليست كاملة التحقق
هيثم مراد
لم تكن فيدرالية إقليم كوردستان بعد عام 2003 نزوة سياسية، ولا مشروعًا مؤقتًا فرضته الظروف، بل استحقاقًا دستوريًا ونتيجة نضال تاريخي طويل.
ومع ذلك، ما زالت تُعامَل حتى اليوم كأنها خطأ يجب تصحيحه، لا حقًا يجب حمايته.
في بغداد، لا تزال الحكومات المتعاقبة تتهرب من مسؤولياتها الدستورية، خصوصًا فيما يتعلق بتطبيق المادة 140 وحسم مصير المناطق الكوردستانية التي يُصرّ على تسميتها “المناطق المتنازع عليها”.
هذا التهرب لم يكن تقنيًا ولا إداريًا، بل خيارًا سياسيًا مقصودًا لإبقاء هذه المناطق معلّقة كورقة ضغط دائمة.
وينسحب هذا المنطق نفسه على سياسة التأخير المتكرر والمقصود لرواتب موظفي إقليم كوردستان، التي استُخدمت مرارًا كأداة ضغط على حكومة الإقليم، وبشكل خاص على الحزب الديمقراطي الكوردستاني، في محاولة لإضعافه سياسيًا لا لمحاسبة الإقليم دستوريًا.
اعترفت بغداد بالفيدرالية على الورق، لكنها فرّغتها من مضمونها في الممارسة اليومية:
مماطلة في الالتزامات، تعطيل للحقوق، وعقلية مركزية قديمة تتمنى عودة الدولة القوية الواحدة، حتى لو أعادت إنتاج الديكتاتورية بأشكال جديدة.
هذا الإنكار المستمر أجبر فيدرالية كوردستان على العيش في حالة دفاع دائم عن وجودها، بدل أن تتطور كنموذج حكم حقيقي داخل عراق اتحادي.
لكن تحميل بغداد وحدها المسؤولية ليس شجاعة سياسية،
بل هروب من الحقيقة.
في داخل كوردستان نفسها، تُجرى انتخابات، ويحصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على أغلبية الأصوات، لكن هذه الأغلبية تُعطَّل سياسيًا بسبب تعطيل مقصود من قبل الاتحاد الوطني الكوردستاني لإعلان حكومة الإقليم،
واستمرار واقع السيطرة الحزبية على جزء من الأرض والإدارة.
هذا التعطيل لا يمكن تبريره باسم الشراكة ولا تقديمه كتنوع سياسي صحي، لأنه يُفرغ العملية الانتخابية من معناها،
ويحوّل الإقليم إلى كيان منقسم القرار، تحكمه موازين قوى حزبية–جغرافية لا علاقة لها بإرادة الناخبين.
الديمقراطية لا تعني تقاسم النفوذ بالقوة، ولا تعطيل نتائج الانتخابات، بل تعني شراكة مؤسساتية حقيقية ضمن سلطة موحّدة تحترم الشرعية الانتخابية وتنهي منطق المناطق الحزبية المغلقة.
المواطن الكوردي اليوم لا يعنيه الجدل الدستوري
ولا الحسابات الحزبية، بل يطرح سؤالًا بسيطًا ومؤلمًا:
ما الفرق بين حكم مركزي يتهرب من حقوقه، وحكم كوردستاني داخلي عاجز عن توحيد قراره؟
المشكلة ليست في الفيدرالية كنظام، بل في كسرها من الأعلى في بغداد، وشلّها من الداخل في كوردستان.
ومن دون التزام عراقي صريح بتطبيق الدستور، والمادة 140، والتوقف عن استخدام لقمة عيش الناس كورقة ضغط، ومن دون حسم داخلي ينهي تعطيل الأغلبية المنتخبة
ويحوّل التعدد السياسي إلى شراكة مؤسساتية حقيقية، ستبقى كوردستان عالقة بين خيارين قاسيين:
ديكتاتورية واضحة، أو فيدرالية غير منجزة تماماً تستهلك نفسها ببطء.
وهنا لا يعود السؤال سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا:
إلى متى ندافع عن تجربة نرفض تصحيح أخطائها؟