لحظة القرار الكوردي: بين فكر التخاذل ومتطلبات المرحلة التاريخية

لحظة القرار الكوردي: بين فكر التخاذل ومتطلبات المرحلة التاريخية

صديق شرنخي

تمرّ القضية الكوردية اليوم بواحدة من أخطر وأدق مراحلها منذ عقود، مرحلة تتقاطع فيها التحولات الإقليمية والدولية مع هشاشة الداخل الكوردي، وعمق الانقسام الفكري والسياسي داخل المنظومات التي ادّعت يومًا تمثيل تطلعات هذا الشعب.
لا يمكن تجاهل التصريحات الأخيرة لعبد الله أوجلان من إيمرالي، ولا سيما مواقفه العدائية المعلنة تجاه إسرائيل، ورفضه أي تواصل كوردي معها، في محاولة واضحة لإرضاء تركيا، ولو كان الثمن تكريس فكر التخاذل والهزيمة داخل الوعي الكوردي.
إن خطورة هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، بل في الفلسفة التي تقف خلفها: فلسفة الانكفاء، والخضوع لمعادلات القوة الإقليمية، والتخلّي الطوعي عن أي هامش للمناورة أو بناء العلاقات وفق مصلحة الشعب الكوردي. فمن غير المنطقي، ولا المقبول سياسيًا، أن يُطالَب شعبٌ بلا دولة، ومحاصر من أربع دول قومية، بأن يقيّد نفسه أيديولوجيًا، وأن يُحرَّم عليه نسج علاقات مع أي طرف دولي أو إقليمي قد يشكّل نافذة دعم أو توازن، فقط لإرضاء دولة تعتبر الوجود الكوردي أصلًا تهديدًا وجوديًا لها.
لقد أثبت التاريخ القريب والبعيد أن تركيا لم تكن يومًا شريكًا محتملاً للكورد، لا في سوريا ولا في غيرها، وأن كل محاولات استرضائها لم تنتج سوى مزيد من القمع والعدوان والاحتلال. من عفرين إلى سري كانيه وكري سبي، كانت النتيجة واحدة: تهجير، تغيير ديمغرافي، وإبادة سياسية وثقافية. فكيف يمكن، بعد كل ذلك، تبرير خطاب سياسي يجرّم أي تفكير كوردي مستقل في بناء علاقات خارج الإطار التركي؟
الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب لا يُنتَج في فراغ، بل يُترجَم عمليًا عبر شخصيات ومؤسسات داخل منظومة الأمر الواقع في روج آفا، تحوّلت مع الوقت إلى أدوات ضبط سياسي وأمني، لا إلى مؤسسات تحرّر وطني. إن استمرار شخصيات مثل صالح مسلم، وآلدار خليل، وغريب حسو وغيرهم في التحكم بالمشهد السياسي، رغم فشلهم الذريع وتورّطهم في الإقصاء والفساد وتخريب العلاقات الكوردية–الكوردية، لم يعد خطأً عابرًا، بل بات عبئًا استراتيجيًا على أي مشروع كوردي في سوريا.
هنا تبرز مسؤولية القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، بوصفه الشخصية الأكثر قدرة اليوم على اتخاذ قرار تاريخي يعيد تصويب البوصلة. فالمطلوب لم يعد إدارة توازنات يومية أو تأجيل الأزمات، بل فتح ملف المحاسبة السياسية والأخلاقية داخل البيت الكوردي نفسه. فالشعوب لا تُهزم فقط بقوة أعدائها، بل أيضًا بصمت قادتها عن الفساد، وبسماحهم بتحوّل الفكر الانهزامي إلى عقيدة رسمية.
قد يطرح البعض السؤال التقليدي:
هل هذا هو الوقت المناسب للمحاسبة؟
والجواب بوضوح: نعم. لأن لحظات التحوّل الكبرى لا تنتظر الظروف المثالية، بل تُصنع بالقرارات الجريئة. إن تأجيل المحاسبة بحجة “المرحلة الحساسة” كان دائمًا الوصفة الجاهزة لإعادة إنتاج الفشل. لقد أُعطيت لهذه المنظومة سنوات طويلة لمراجعة خطابها، وللاعتذار من الشعب، ومن ذوي الشهداء، ومن القوى الكوردية التي تم تهميشها وإقصاؤها، لكنها لم تفعل، بل انتظرت فرصة أخرى للمساومة على حساب القضية.
إن الفكر الذي يروّج للعداء الأيديولوجي مع إسرائيل – ليس دفاعًا عن فلسطين بقدر ما هو استرضاء لأنقرة – لا يخدم القضية الكوردية. فالدول والحركات التحررية لا تبني سياساتها على الشعارات، بل على المصالح، وعلى قراءة دقيقة لموازين القوى. وكل تجارب التحرر في العالم تؤكد أن من يعزل نفسه طوعًا، يُساق في النهاية إلى الهزيمة.
اليوم، تتطلع عيون الكورد من آمد ووان وشرنخ، إلى الجزيرة وكوباني وقامشلو، ومن دهوك وأربيل والسليمانية إلى مهاباد، ومن كورد السوفييت السابق إلى كورد الشتات، إلى روج آفا بوصفها الحلقة الأضعف والأكثر حساسية في الجغرافيا الكوردية، لكنها في الوقت ذاته قد تكون الشرارة الأولى لتغيير أوسع، إن أُحسن القرار.
إن المطلوب اليوم ليس انقلابًا، بل تصحيح مسار، وليس تصفية حسابات، بل محاسبة سياسية شفافة، وليس الارتهان لمحاور، بل تحرير القرار الكوردي من عقدة الخوف من تركيا، ومن إرث أيديولوجي أثبت فشله. عندها فقط، يمكن للكورد أن يدخلوا المرحلة القادمة وهم أكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر انسجامًا مع منطق التاريخ، لا ضحايا له.