الركائز الأساسية الثلاث لاستقرار الكورد في سوريا

الركائز الأساسية الثلاث لاستقرار الكورد في سوريا

أحمد آلوجي

يشهد غرب كوردستان خاصة في الجزيرة وكوباني، تحولات مصيرية في ظل المفاوضات الجارية مع دمشق. يتطلب النجاح في هذه المفاوضات رؤية تتجاوز التسويات الأمنية المؤقتة إلى بناء نموذج متكامل يضمن الاستقرار الدائم. يجب أن ترتكز هذه الرؤية على ثلاثة أركان رئيسية: إدماج مقاتلي "بيشمركة روج" — وهم كورد سوريا المقيمون في إقليم كوردستان — في الأجهزة الأمنية المحلية، وعودة آلاف اللاجئين من كوردستان وأوروبا، وصياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد يُشرك الكرد كفاعل رئيسي في مستقبل سوريا. هذا النموذج المتكامل هو الضامن الحقيقي لبسط الأمن، وحماية المكاسب، ومواجهة التهديدات الأيديولوجية مثل ظاهرة "الأخونة" وغيرها من أشكال الإسلام السياسي المتطرف التي تستغل فراغ السلطة وتدهور الأوضاع المعيشية.

إن الدمج الأمني للمقاتلين في المؤسسات المحلية ليس فكرة جديدة، بل هو نهج أثبت نجاعة في العديد من التجارب الدولية بعد الصراعات. ففي كوسوفو، ساهم دمج مقاتلي جيش تحرير كوسوفو (KLA) ) في المؤسسات الأمنية الجديدة بعد الاستقلال عام 2008 في استقرار البلاد وحماية مكاسبها السياسية. وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية المروعة عام 1994، كان دمج المقاتلين السابقين من جميع الأطراف في الجيش الوطني حجر الزاوية في عملية المصالحة الوطنية المعقدة وإعادة الإعمار. والأقرب إلى السياق السوري، تجربة إقليم كوردستان نفسه، حيث تم بعد عام 2003 دمج فصائل البيشمركة المختلفة في هياكل أمنية رسمية تابعة للإقليم، مما وفّر درجة ملحوظة من الاستقرار والأمن الداخلي.
في سوريا، يمكن أن يشكل مقاتلو "بيشمركة روج" — الذين يمتلكون خبرة قتالية وتنظيمية عالية — نواة مهنية لقوة أمنية محلية فاعلة. مثل هذه القوة، المنبثقة من المجتمع وذات الشرعية المحلية، ستكون الأقدر على حماية هذه المناطق من التهديدات المتجددة، سواء من الأعمال الإرهابية أو التدخلات الخارجية أو محاولات فرض الهيمنة الأيديولوجية. هذا الإدماج يجب أن يتم ضمن اتفاق واضح مع دمشق، يضمن لهم منح الصلاحيات الإدارية والأمنية اللازمة لإدارة الشأن المحلي، مما يحول دون ترك الشارع الكردي فريسة للجماعات المتطرفة.

لا يمكن فصل الاستقرار الأمني عن الاستقرار المجتمعي. لذا، فإن الركن الثاني لهذا النموذج يتمثل في تسهيل عودة آلاف اللاجئين الكرد السوريين المقيمين في إقليم كوردستان ودول أوروبا. تمثل هذه العودة إعادة بناء للنسيج الاجتماعي الممزق، وإحياءً للحياة الاقتصادية والتعليمية. يحمل العديد من هؤلاء اللاجئين مهارات وتعليماً وخبرات حياتية غنية، ستكون بمثابة رأس مال بشري ثمين في مرحلة إعادة الإعمار. عودتهم ستعيد التوازن الديموغرافي الذي قد يتعرض لتغييرات خطيرة، وتساهم في صياغة واقع جديد قائم على التنوع والإنتاجية بدلاً من الاعتماد على المساعدات. ولكن، عودتهم يجب أن تكون إلى بيئة آمنة ومستقرة، وهو ما يوفره الركن الأمني، وإلى إطار سياسي واضح يضمن حقوقهم، وهو ما يأتي من خلال صياغة عقد اجتماعي جديد.

هذا العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يكون نتاج مفاوضات جادة بين القوى السياسية الكردية الفاعلة على الأرض وبين الحكومة السورية. يجب أن ينتقل، فيما بعد، من منطق اللامركزية الإدارية المحدودة إلى شراكة سياسية حقيقية تضمن للكرد تمثيلاً مؤثرًا في مؤسسات الحكم المركزية والمحلية على حد سواء، وأن يكون لهم قرار فعال في المشاركات والمفاوضات المستقبلية مع دمشق. كما يجب أن ينص هذا العقد دستوريًا على الحقوق الثقافية واللغوية والتعليمية للشعب الكردي، ويوفر ضمانات ضد أي تهميش أو إقصاء في المستقبل. فقط من خلال مثل هذا الإطار القانوني والسياسي المُرضي يمكن تحويل المنطقة من ساحة صراع محتملة إلى منطقة استقرار تساهم في بناء سوريا جديدة.

بطبيعة الحال، يواجه تطبيق هذا النموذج تحديات جسيمة، أبرزها تحفظات دمشق التاريخية على أي وجود أمني لا تتحكم به مباشرة، والانقسامات الداخلية بين الفصائل الكردية، والمخاوف الإقليمية من أن يُفهم هذا النموذج على أنه خطوة نحو الانفصال، خاصة تركيا. لذلك، يحتاج النجاح إلى ضمانات دولية وإقليمية، وآليات مراقبة متعددة الأطراف، وتنفيذ تدريجي يبدأ بالمناطق الأكثر استقرارًا، بالإضافة إلى إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار وتسهيل عودة اللاجئين.

في الختام، إن إنهاء المفاوضات بشكل إيجابي هو البداية فقط. الطريق نحو السلام الدائم في المناطق الكردية السورية يمر عبر نموذج متكامل يجمع بين الإدماج الأمني المهني، وإعادة الإعمار المجتمعي من خلال عودة اللاجئين، والتسوية السياسية والاقتصادية العادلة عبر عقد اجتماعي جديد، وتوزيع عادل للثروات، وإزالة آثار الإجراءات الاستثنائية التعسفية السابقة ضد الشعب الكردي. هذا هو السبيل الأوحد لتحصين هذه المناطق ضد التطرف والفوضى، وتمكينها من أن تكون شريكًا فاعلًا في استقرار سوريا وبناء مستقبلها.