درس حيي الأشرفية والشيخ مقصود
كوردستان - الافتتاحية
ما جرى في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب لم يكن حدثًا عابرًا، بل شكّل محطةً سلبيةً تركت أثرًا عميقًا على صورة الكُرد ومكانتهم، وألحق ضررًا بهيبتهم السياسية والوطنية في عموم المشهد السوري. فبدل أن يكون الكُرد عامل استقرارٍ وحلٍّ، ظهروا – للأسف – وكأنهم طرفٌ في صراع يفتقر إلى الرؤية السياسية الجامعة.
كان الأجدر أن ينطلق أيُّ مسار تفاوضي كُردي من دمشق، عبر وفد كُردي موحّد، يحمل رؤية سياسية واضحة تعكس تصور الكُرد لسوريا المستقبل، وهوية الدولة السورية، إضافة إلى المطالب القومية المشروعة للشعب الكُردي ضمن إطار وطني جامع. فالحوار السياسي هو الطريق الوحيد القادر على إنتاج حلول مستدامة، وليس فرض الوقائع بالقوة أو عبر مقاربات أمنية ضيّقة.
إن اتفاقية العاشر من آذار، التي أُديرت من خلال مسؤولين عسكريين، كانت خطأً جوهريًا في المنهج والمسار. فالعسكر مهمتهم القتال والدفاع، لا إدارة الحوار السياسي ولا صياغة التفاهمات الوطنية. وزاد الأمر تعقيدًا أن الطرف الحكومي بدوره قابلَ هذا المسارَ بوفد عسكري برئاسة وزير الدفاع، ما جعل الحوار يدور في حلقة مفرغة. وفي ظل هذا الشكل من التفاوض، كان من الممكن أن تستمرّ الاجتماعاتُ لسنوات دون الوصول إلى أي نتيجة حقيقية.
إن حل القضايا السياسية والإدارية لا يمكن أن يتم إلا عبر قنوات سياسية ومدنية، قادرة على إحداث اختراق وتطوّر فعلي في المشهد. غير أن التعاطي العاطفي مع اتفاقية الأول من نيسان، وما رافقها من أحداث مؤسفة في الأشرفية والشيخ مقصود، أدّى إلى إضعاف هيبة الكُرد ومكانتهم السياسية، ولم يحظَ بما يمكن اعتباره دعمًا أو تفهمًا حتى من قبل أصدقاء «قسد»، إن وُجدوا، حيث سادت حالة من الصمت أو الانتقاد لما حصل في هذين الحيين من مدينة حلب.
وفي مقابل هذا المشهد القاتم، برز عامل أمل وتفاؤل لدى الكُرد عمومًا، تمثل في موقف فخامة الرئيس مسعود بارزاني، واتصالاته وتحركاته السياسية مع إدارة دمشق، والجانب الأمريكي، وعدد من الدول المؤثرة في الملف السوري. وهو موقف يحظى باحترام واسع، لما يمثله من نهج حكيم يؤمن بالحوار، ويضع المصلحة الكُردية ضمن سياقها الوطني والإقليمي والدولي الصحيح.
إن استعادة هيبة الكُرد ودورهم لا تكون إلا عبر وحدة الموقف، وتغليب السياسة على السلاح، والعقل على العاطفة، والعمل الجاد لبناء شراكة وطنية حقيقية تضمن الحقوق وتحفظُ الكرامة، وتسهمُ في رسم مستقبل مستقر لسوريا بكلّ مكوناتها.
إن درس حيي الشيخ مقصود والأشرفية كان بليغاً بل وموجعاً، فهل نبتعد عن العواطف قليلاً حتى لا يقع الكُرد في أذية جديدة، ويتعظوا من الأخطاء.