تركيا.. افتعال المشاكل وتجاهل الاعتراف بالهزيمة

تركيا.. افتعال المشاكل وتجاهل الاعتراف بالهزيمة

ميران ميراني

حين يصبح الانتصار مسألة تعريف
حين تتراجع تركيا عن تنفيذ عملية برية واسعة ضد قوات سوريا الديمقراطية، لا يكون السؤال الجوهري: لماذا تراجعت؟ بل لماذا لم تعد قادرة على تحويل التهديد إلى فعل؟ هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه قراراً تكتيكياً معزولاً، بل بوصفه مؤشراً على انتقال أعمق في منطق القوة والدور.
الدولة التي بنت جزءاً أساسياً من شرعيتها خلال العقد الأخير على فائض القوة العسكرية، تجدُ نفسها اليوم مضطرة إلى البحث عن فائض خطاب يعوّض تراجع القدرة على الحسم.
من هنا، لا يمكن فصل إدارة الملف السوري عن إدارة صورة الانتصار داخلياً، ولا عن إعادة تموضع تركيا إقليمياً. فالقضية لم تعد كيف تدخل أنقرة الحرب؟ بل كيف تخرج من دون أن تعترف بأنها خسرتها؟

أولاً: من فائض القوة إلى فائض الخطاب
منذ 2016، شكّلت العمليات العسكرية التركية في سوريا نموذجاً لاستخدام القوة كأداة سياسية داخلية وخارجية. لم تكن هذه العمليات مجرّد ردود أمنية، بل أدوات لبناء شرعية سياسية قائمة على فكرة الدولة القادرة على فرض إرادتها خارج حدودها. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجياً بعد 2019.
التحوُّل الأهمُّ لم يكن في الخطاب المعلن، بل في الفجوة بين التهديد والتنفيذ. حين تعجز الدولة عن تحويل التهديد إلى فعل، يصبح التهديد نفسه عبئاً. وهنا تبدأ الحاجة إلى إعادة تعريف الانتصار. لم يعد الانتصار هو السيطرة الميدانية، بل إنتاج صورة سياسية قابلة للتسويق تقول إن الخطر زال، حتى لو بقي الواقع معلقاً.
في هذا السياق، انتقلت أنقرة من منطق الاجتياح إلى منطق الإخراج السياسي، ومن لغة السلاح إلى لغة السيادة وعدم الأطماع. هذا التحول لا يعكس بالضرورة قناعة أخلاقية جديدة، بل إدراكاً بأن أدوات القوة لم تعد تمنح العائد نفسه.
ثانياً: اتفاق 10 آذار 2025 كمخرج سياسي
شكّل اتفاق 10 آذار 2025 بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية نقطة مفصلية. الاتفاق، الذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن بنية الدولة السورية، لم يعد تفصيلاً سورياً داخلياً، بل تحوّل إلى مخرج تركي بامتياز.
بالنسبة لأنقرة، لم يكن جوهر الاتفاق في آليات الدمج أو مراحله التقنية، بل في قدرته على إنتاج رواية سياسية تقول إن قسد لم تعد كياناً مستقلاً يهدد الأمن القومي. المطلوب لم يكن تنفيذًا كاملاً بقدر ما كان إعلاناً رمزياً لنهاية التهديد.
بهذا المعنى، لم تدخل تركيا الاتفاق طرفاً، لكنها استفادت منه كأداة لإعادة صياغة المشهد. فالاتفاق سمح لها بالانتقال من خطاب الحرب إلى خطاب "إغلاق الملف"، ومن موقع المهدِّد إلى موقع المراقب الذي يطالب بالتنفيذ.
ثالثاً: الشروط المتأخرة وتآكل الخطوط الحمراء
من المهم تثبيت لحظة زمنية دقيقة: الشروط التي أعلنتها أنقرة لاحقاً بشأن نزع سلاح قسد، والانضمام كأفراد لا ككتلة، لم تكن مطروحة علناً في 2018 و2019. في تلك المرحلة، كانت تركيا في موقع فرض الوقائع بالقوة، لا في موقع هندسة تسويات سياسية.
ظهور هذه الشروط بعد اتفاق 10 آذار 2025 يعكس انتقال الملف من الميدان إلى طاولة التفاوض. ومع هذا الانتقال، تحوّلت الشروط من أدوات تنفيذ إلى أدوات خطاب. والأهم أن هذه الشروط نفسها بدأت بالتآكل.
ما كان يُقدَّم كخط أحمر أصبح قابلاً للتأجيل وإعادة التفسير. نزع السلاح لم يعد شرطاً مسبقاً، والتفكيك الفردي لم يعد إلزامياً. في المقابل، أصبح المكسب الحقيقي لأنقرة هو مشهد سياسي واحد: إعلان نهاية الخطر.

رابعاً: الاقتصاد وحدود الحرب
لا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند الواقع الاقتصادي. منذ 2024، دخلت تركيا مرحلة ضغط اجتماعي حاد. التضخم الذي تجاوز 65% في ذروته، ثم استقر عند نحو 33% في أيلول 2025، لم يعد رقماً تقنياً، بل تجربة يومية قاسية للمجتمع.
تراجع الليرة تحوّل إلى عامل سياسي بحد ذاته، وأي مغامرة عسكرية واسعة باتت تعني صدمة فورية للأسواق وتآكلاً إضافياً للثقة. في هذا السياق، لم تعد الحرب أداة قابلة للاستخدام الداخلي، بل خطراً اقتصادياً مباشراً.
حتى التفوق العسكري لم يعد مضموناً. المسيّرات، التي شكّلت عماد الاستراتيجية التركية منذ 2016، تحولت من أداة حسم منخفضة الكلفة إلى عنصر استنزاف مكلف، في اقتصاد يعاني أصلاً من ضغط العملة وكلفة المعيشة.
خامساً: الانتخابات وكسر معادلة التعبئة الأمنية
جاءت انتخابات 31 آذار 2024 البلدية لتكسر رواية "الأمن مقابل الصناديق". خسارة الحزب الحاكم لمدن كبرى وتراجعه في مناطق أساسية كشفت أن الحرب لم تعد رصيداً انتخابياً مضموناً. بل على العكس، باتت المغامرات الخارجية مرتبطة في وعي الناخب بتدهور المعيشة.
منذ تلك اللحظة، انقلبت المعادلة التي اعتاد أردوغان استخدامها. لم يعد التصعيد وسيلة للهروب إلى الأمام، بل احتمالاً لمزيد من الخسارة.
سادساً: من سوريا إلى الإقليم – نهاية نسخة من الدور التركي
الخروج غير المعلن من سوريا لا يعني نهاية الدور التركي إقليمياً، بل نهاية نسخته الصدامية. فالملف السوري كان المختبر الأكبر لطموح أنقرة في فرض نفسها لاعباً مركزياً بالقوة. ومع تآكل هذا الخيار، بدأت إعادة التموضع.
في شرق المتوسط، أعادت صفقات الطاقة الكبرى رسم موازين النفوذ من دون تركيا. في المشرق، أعادت الترتيبات الأمنية الأميركية ضبط الساحات المفتوحة. وفي القوقاز والبحر الأسود، فرضت الحرب في أوكرانيا أولوية الوساطة على الاستعراض العسكري.
في هذا السياق، يصبح تقليص الالتزامات في سوريا شرطاً ضرورياً للانتقال إلى دور أخف وزناً: دور الوسيط، أو الشريك التوافقي، لا اللاعب الذي يفرض الوقائع منفرداً.
خاتمة: إدارة الخروج كاختبار دولة
إدارة الخروج من سوريا ليست مجرد ملف خارجي، بل اختبار لقدرة الدولة التركية على التكيّف مع واقع دولي وإقليمي لم يعد يسمح بالمغامرات الطويلة. أردوغان لا يبحث عن نصر عسكري، بل عن نهاية قابلة للتسويق، تسمح له بإغلاق ملف ثقيل دون دفع كلفة الاعتراف بالهزيمة.
سوريا، في هذا المعنى، ليست نهاية الدور التركي، لكنها نهاية مرحلة. مرحلة فائض القوة والتدخل المباشر. ما يتشكل اليوم هو دور أقل طموحاً وأكثر حذراً، وربما أكثر استدامة. ومن ينجح في إدارة الخروج، قد ينجح في كتابة فصل جديد. أما من يفشل، فيبقى أسير معارك لم يعد قادراً على خوضها ولا على إنهائها.