مسعود البارزاني… من حدود الزعامة إلى مشروع أمة

مسعود البارزاني… من حدود الزعامة إلى مشروع أمة

فاضل دللي

لم تكن التجارب التاريخية الكبرى تُصنع دائماً على أيدي القادة التقليديين، بل غالباً ما كانت تُبنى على رؤية شخصيات استثنائية تمتلك القدرة على تجاوز حدود الانتماءات الضيقة، والتحوّل إلى رمز يتوحّد حوله شعب كامل. هذا تماماً ما يجسّده الرئيس مسعود البارزاني، الذي أصبح بمرور الزمن أكثر من قائد سياسي أو رئيس حزب؛ فقد تحوّل إلى مشروع أمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مشروع يتجاوز الجغرافيا، وينسجم مع تطلعات أجيال متعاقبة من أبناء كوردستان في أجزائها الأربعة.

إن المتتبع لمسيرة البارزاني يجد أمامه مدرسة متكاملة في القيادة، تقوم على الثبات على المبادئ، والمرونة في السياسة، والحكمة في إدارة الأزمات. فمنذ بداياته في صفوف البيشمركة، مروراً بأدواره القيادية في أحلك الظروف، وصولاً إلى موقعه كمرجعية سياسية ووطنية، لم يتخلّ البارزاني عن بوصلته الأساسية: كرامة الإنسان الكردي وحقه في الحياة الحرة الكريمة.

لقد أثبت عبر العقود أنه رجل مواقف قبل أن يكون رجل مناصب، وأنه قادر على اتّخاذ القرارات الصعبة عندما تتطلب مصلحة الشعب ذلك. فمبادئه لم تكن مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بل كانت التزاماً عملياً وتجسيداً لمسيرة نضال طويلة رسّخت اسمَه في ذاكرة كلّ كردي. ولعل أحد أهم ما يميّز البارزاني هو اتّساع رؤيته السياسية التي لم تُقِم حدوداً بين أجزاء كوردستان. فهو ينطلق دائماً من مبدأ أن الشعب الكردي شعب واحد، وأن قضاياه مترابطة ومتكاملة مهما اختلفت الظروف السياسية لكل جزء.

هذه الرؤية القومية الجامعة جعلته محل احترام ليس فقط بين أبناء إقليم كوردستان، بل في كل مكان تواجد الكرد، حيث يُنظر إليه باعتباره صوتاً صادقاً يدافع عن الحقوق المشروعة، ومظلة سياسية يمكن الركون إليها في الأوقات الحرجة. وقد ساهم هذا الدور في تعزيز حضور القضية الكردية إقليمياً ودولياً، وفتح آفاقاً جديدة للتواصل مع القوى العالمية المؤثرة.

وفي الداخل، استطاع البارزاني أن يبني حالة استقرار سياسي واجتماعي في إقليم كوردستان، رغم التحديات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي مرّت بالمنطقة. فقد حافظ على وحدة الصف في أصعب اللحظات، ونجح في جعل الإقليم نموذجاً يُحتذى به في التعايش والسلم الأهلي والتنمية. كما دعم المؤسسات الدستورية والانتقال السلمي للسلطة، ما عزّز الثقة في التجربة الكردية ككل.

إن التحول الذي يمثله البارزاني من قائد إلى رمز قومي لم يأتِ مصادفة، بل جاء نتيجة تراكم طويل من التجارب والعطاء والتضحيات. فحضوره اليوم هو امتداد لإرث الشهيد الخالد ملا مصطفى البارزاني، لكنه أيضاً تطوير لهذا الإرث بما ينسجم مع المتغيرات المعاصرة ومتطلبات المرحلة. وقد نجح في أن يجعل من هذا الإرث حجر أساس لمشروع وطني مستقبلي يستند إلى المعرفة والحكمة والشجاعة.

وفي الوقت الذي يعيش فيه العالم تحولات متسارعة وتحديات جسيمة، تبقى الشعوب بحاجة إلى قادة يمتلكون وضوح الرؤية وقوة الإرادة، وقبل ذلك الإيمان الراسخ بشعوبهم. وهذا ما يجعل مسعود بارزاني اليوم شخصية تتجاوز حدود الزعامة التقليدية، ليصبح حجر الزاوية في مشروع قومي كبير يطمح إلى تحقيق الاستقرار والازدهار والكرامة.

إن الدعاء للبارزاني بالعمر المديد والصحة والعافية ليس مجاملة شخصية، بل هو تعبير عن امتنان شعبي لرجل وقف في مقدمة الصفوف دفاعاً عن حقوق شعبه، وسعى بجدّ لإرساء أسس مستقبل أفضل. فنسأل الله أن يحفظه ويبارك في جهوده، وأن يحقق على يديه كل ما يصبو إليه أبناء كوردستان من أمن ونصر ورفعة.