هل غَدَتْ الخيانة «وجهة نظر» حقاً؟
علي جزيري
معاهدة سيڤر التي عقدها الحلفاء، كانت بمثابة المسمار الأخير في نعش الدولة العثمانية، ولاسيما حين نصت على إقامة دولة كردية؛ بيد أن الحلفاء سرعان ما قلبوا للكرد ظهر المِجَنّ إثر معاهدة لوزان. ونجح الميكيافيلي مصطفى كمال وشريكه عصمت إينونو (تولى رئاسة الوزراء في عهد أتاتورك، ورئاسة الجمهورية عقب رحيله)، في تضليل الرأي العام، ونسجا خيوطَ مؤامرتهما، ثم انتهج القطبان المذكوران سياسة إنكار الوجود الكردي رغم أنه أقدم وأسبق من الوجود التركي تاريخياً في هذه المنطقة، ومارسا سياسة التتريك (التهجير القسري للكرد والأرمن، وإسكان ذوي الأصول التركية في كوردستان، وشنّا حملاتهما البربرية فيها)، ما دفع بالشيخ سعيد لمقاومة غطرستهما عام 1925، بغية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحقوق القومية أسوةً بالشعوب الأخرى؛ لكنهما تمكّنا من إجهاض الحلم الكُردي، وعلقا قادة الانتفاضة على أعواد المشانق، جرّاء تواطؤ الغرب والشرق على حدٍّ سواء أولاً، وأمثال إينونو من الأرومة الكردية، ممن لعبوا دور حصان طروادة ثانياً.
وروّجت البروباغندا التركية أمام الملأ أن الحركة التي يتزعمها الشيخ سعيد دينية "رجعية"، بهدف استمالة الرأي العام الدولي، رغم أن التاريخ يثبت أن الشعور الديني لعب دوراً حاسماً وتقدمياً في نهوض العديد من الشعوب (عمر المختار وعبد القادر الجزائري أنموذجاً)؛ فالاحتجاج السياسي تحت يافطة الدين - على حد وصف لينين - ظاهرة خاصة بجميع الأمم في مرحلة معينة من تطوّرها.
وينبغي الإشارة إلى دور الضابط الكُردي حسن خيري، عضو البرلمان العثماني السابق عن منطقة ديرسم، الذي أقدم على قصم ظهر الثورة بتحالفه مع الثنائي (أتاتورك - إينونو)، وزعمه أن الكرد والترك شعب واحد، وسيعيشون ضمن الكيان التركي الموحّد؛ ضارباً بتطلعات أبناء أمته عرض الحائط، رغم ذلك مُثِّلَ أمام محكمة الاستقلال في أنقرة، وصدر بحقه حكم الإعدام شنقاً، ولم ينفعه الندم بعد أن ارتأى الإقدام على فعلته اللئيمة تلك بمحض إرادته.
ما من شك أن الخيانة السياسية خطوة وضيعة بكل المقاييس، ويُنظر إلى مرتكبها كمنبوذ، وتُقابل بالنفور من لدن أعزاء النفوس؛ ورغم هذا مازال مَنْ يتفاخر بمثل هذه المواقف المتخاذلة، ويبررها ويُدرجها في خانة "وجهة نظر"، وهي محاولة غير بريئة، هدفها طمس الحقيقة؛ مما دفع بالفلسطيني صلاح خلف أن يتحفنا بمقولته الشهيرة: "أخشى ما أخشاه أن تغدو الخيانة وجهة نظر"...!
ومن يتأمل تاريخنا، سيجد أنه لا يخلو من هؤلاء المتواطئين مع العدو، بدءاً من هارباك الذي خَدَمَ الاخمينيين بقيادة كورش بغية إسقاط الإمبراطورية الميدية في تاريخنا القديم، ومروراً بـأمثال حسن خيري بك في تاريخنا الحديث، وإنتهاءً بمن سلَّموا كركوك بالأمس القريب لطغمة بغداد كلقمة سائغة، ومازال "فيدان" مواظباً في خدمة سيده العثماني الجديد دون أن "تهتز له قصبة"...!
أمثال هؤلاء، ألحقوا ضرراً بالغاً ببني جلدتهم وقضيتهم العادلة، بيد أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الكرد وحدهم، بل تعرضت أمم شتى إلى أفعال دنيئة من هذا القبيل، ولولا ذلك لما أوحى لنا المتنبي قديماً بضرورة أخذ العبرة من مصيرهم:
قل للحمير وإن طالت معالفها، لن تسبق الخيل في ركض الميــادينِ
وإن ظهر الحمار بزي خـيــــــــلٍ انكشف أمره عند النهيـــــــــــــقِ