مأساة آلان كردي… من صورة هزّت العالم إلى ورقة سياسية
ميران ميراني
لم تكن صورة الطفل الكوردي آلان كردي في عام 2015 مجرد مأساة إنسانية عابرة؛ بل كانت حدثًا سياسيًا هزّ الرأي العام العالمي بأكمله. جسده الصغير الذي لفظه البحر على شاطئ تركي أجبر حكومات كبرى على مراجعة سياساتها تجاه الحرب السورية. تلك الصورة دفعت كندا وألمانيا وبريطانيا إلى فتح أبواب لم تكن لتفتح لولا قوة الصدمة التي أحدثتها.
لقد أصبح آلان، رغم براءته، نقطة تحول سياسية. موته فتح طرق اللجوء لعشرات الآلاف من السوريين، عربًا وكردًا. وبفضل ذلك التعاطف الدولي، حصل كثيرون على الحماية والجنسية ومستقبل أكثر أمنًا.
لكن السؤال السياسي والأخلاقي الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف تحوّل التعاطف الذي فجّرته مأساة آلان إلى صمتٍ بارد، بل إلى خطاب تحريضي أحيانًا ضد جزء من الشعب الذي مثّله؟
من الرمز الإنساني إلى المساومة السياسية
استخدم العالم صورة آلان ليظهر وجهه الإنساني أمام شعوبه. تحولت المأساة إلى مادة انتخابية لدى بعض الساسة في الغرب، وإلى ورقة ضغط لدى أطراف سورية وإقليمية. لكن بعد أن هدأت العاصفة، انكشف الوجه الآخر:
الدول التي فتحت أبوابها لأسباب إنسانية أعادت إغلاقها لأسباب سياسية، والأطراف التي رفعت شعارات التضامن باتت تستثمر في الانقسام. وفي قلب هذا المشهد يظهر التناقض الأكبر:
كيف يستفيد البعض من رمزية طفل كوردي غرق وهو يهرب من العنف، ثم يساهم سياسيًا أو إعلاميًا أو تحريضيًا في تأجيج خطاب ضد الكرد اليوم؟
أزمة الأخلاق قبل السياسة
التحريض لا يولد من فراغ. إنه نتاج صراع سياسي، وصحوة قومية في أكثر من اتجاه، وتنافس على النفوذ داخل سوريا وخارجها. لكن ما يثير السخط هو محاولة بعض الأطراف توظيف المظلومية السورية حين تخدم مصالحها، ثم الانقلاب عليها حين تتقاطع مع حساباتها.
إن استحضار آلان ليس مجرد نبشٍ لماضٍ أليم؛ إنه تذكير بأن من يلوّح براية الإنسانية حين يحتاجها، ثم يتخلى عنها حين تتعارض مع مصالحه، يفقد شرعيته الأخلاقية والسياسية معًا.
آلان لم يكن شهادة حسن سلوك لأحد
لنكن واضحين: آلان لم يمت ليصبح جسرًا لأحد.، ولم يكن أداة لتبييض صفحة أي طرف، ولا كانت جثته الصغيرة صكًا يمنح أي جهة حقّ التنصل من مسؤولياتها أو التحريض ضد الآخرين.
لقد أصبح رمزًا لضحايا الحرب، وليس ملكًا لخطاب سياسي معين.
ولذلك فإن أي محاولة لاستثمار تلك المأساة للتحريض ضد الكُرد أو ضد العرب أو ضد أي مكوّن آخر، هي خيانة لرسالة آلان… وخيانة للقضية السورية بأكملها.
الخلاصة السياسية
إن القضية اليوم ليست فقط من يحرّض ضد من؟ بل كيف تحوّلت مأساة السوريين إلى ساحة تنازع سياسي، وكيف استُخدمت رموز الألم لتبرير سياسات متناقضة؟
والأخطر: كيف يطالب البعض بالتعاطف معه حين يكون الضحية، ثم يمارس خطاب الكراهية حين يختلف مع الآخرين سياسيًا؟
إن بقاء سوريا، بكل مكوّناتها، مرهون بقدرتنا على معالجة جذور هذا التناقض، لا بتجاهله.
ومادام اسم آلان يُستحضر، فليكن تذكيرًا صارخًا بأن الإنسانية ليست تكتيكًا سياسيًا، بل التزامًا لا يقبل المساومة.