رسالة كوردستان للعالم .. رسالة الأمن والسلام
حسين موسى
الأنامل التي فتحت عيونها في شرقٍ مظلم، غارقٍ في الاستبداد والطغيان، وجدت نفسها أمام واقعٍ مُحكم الحصار. فقد حُرم الكورد لعقود طويلة من حقهم في تعلّم لغتهم الأم، ومنعوا حتى من مناقشة أوضاعهم المعيشية والصحية والتعليمية والاجتماعية والثقافية، ناهيك عن السياسة التي كانت تُعدّ خطًا أحمر لا يُسمح بالاقتراب منه. ظلّت الحكومات تتبدّل والأنظمة تتغيّر، لكن القضية الكوردية بقيت مُعلقة بين التجاهل الرسمي والصمت الإقليمي.
وحين انطلقت شرارة الثورة السورية في آذار عام 2013، حملت معها آمالًا كبيرة لشعوب المنطقة، ومنها الشعب الكوردي. ومع اشتداد المواجهة وتعمّق الانقسام، وجد الكورد أنفسهم بين مطرقة النظام وسندان الفصائل المتشددة.
رغم ذلك، انخرط المجلس الوطني الكوردي في صفوف المعارضة السورية، محاولًا الدفع نحو تغييرٍ سياسي يضمن الاعتراف بحقوق الكورد. لكنّ الرياح لم تسر كما اشتهوا؛ فصعود التيارات الإسلامية المتشددة، ثم تعقّد المشهد الدولي، أدّيا إلى انحراف مسار الثورة عن أهدافها الأولى. واستمرت الدوامة حتى نهاية عام 2024 حين سقط نظام الأسد، لكن دون أن تتحقق ضمانات واضحة للقضية الكوردية.
في خضمّ هذا المشهد المليء بالتقلبات، برز يوم السادس والعشرين من نيسان عام 2025 في مدينة قامشلو كعلامة فارقة. ففي هذا التاريخ انطلقت مبادرة جديدة للتقارب الكوردي، محاولة لرسم خريطة سياسية تتجاوز سنوات الانقسام. ورغم حركات المدّ والجزر بين الأطراف الكوردية، كانت هناك قناعة عامة بأن المرحلة المقبلة لن تستقيم دون وحدة الموقف الكوردي.
ثم جاء «منتدى السلام والأمن في إقليم كوردستان» ليشكّل تحولًا نوعيًا. فقد اجتمعت أجزاء كوردستان الأربعة في «بيت كوردي» واحد، في مشهدٍ لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل كان إعلانًا رمزيًا عن عودة الروح إلى جسدٍ حُرم من التواصل مئات السنين. رسالة المنتدى كانت واضحة: الكورد، الذين حُرموا من أبسط حقوقهم، يمتلكون اليوم القدرة والقوة والإرادة لصياغة مستقبلهم.
هذه اللوحة القومية لم تكن مجرد حضورٍ رسمي، بل كانت تجسيدًا للعشق الممنوع الذي حملته الأجيال، والقوة التي لم تنكسر رغم كل محاولات الإنكار، والروح التي عادت لتزرع بذور الأمل من جديد. وفي الوقت الذي ما تزال فيه سوريا تبحث عن شكل دولتها الجديدة، حملت هذه الرسالة دلالة مهمة: أن طريق اللامركزية هو السبيل الوحيد لضمان العدالة بين مكوّناتها، وأن كوردستان- برؤيتها وتجربتها- يمكن أن تكون بوابة الأمن والسلام والتقدم في عموم المنطقة.
أعطوا الكورد حريتهم، يعطوكم قناديل الفكر، والثقافة، والعلوم الإنسانية، والتكنولوجيا. فالشعوب لا تُقاس بقوتها العسكرية، بل بقدرتها على صناعة حضارة تُنير الدروب.