كيف نبني جيلاُ متعلماً ومثقفاً لمستقبل الدولة والمجتمع؟
فاضل دللي
في عالم يتغير بوتيرة فائقة، وتتصاعد فيه التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يصبح الاستثمار في بناء جيل متعلم ومثقف ضرورة وطنية لا خياراً ترفياً.
المجتمعات التي تطمح إلى تأسيس دولة قوية قادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية تحتاج قبل كل شيء إلى جيل يمتلك الوعي والمهارات والقيم التي تجعله مؤهلا لحمل أمانة المجتمع والدولة على حد سواء.
إن بناء هكذا جيل يبدأ من الأسرة التي تمثل المدرسة الأولى حيث تزرع قيم المسؤولية والانضباط وحب المعرفة فالأطفال الذين ينشؤون في بيئة تشجع السؤال والبحث والقراءة يكونون أكثر استعداداً للحياة العامة وأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع، ويساهم دور الأسرة في ترسيخ الثقة بالنفس والاحترام المتبادل والانفتاح على الآخر، وهي قيم أساسية لبناء شخصية قيادية قادرة على تحمل المسؤولية بجدارة واقتدار.
بعد الأسرة يأتي دور المدرسة التي يجب أن تتحول من فضاء للتلقين إلى بيئة للتفكير الحر والإبداع، ولتحقيق ذلك لابد من تحديث المناهج التعليمية بحيث تركّز على المهارات العملية مثل التفكير النقدي والعمل الجماعي وحل المشكلات بدلاً من الاعتماد على الحفظ والاسترجاع، كما ينبغي تمكين المعلمين عبر تدريب مستمر يجعلهم قادرين على مواكبة التطور التربوي المعرفي فالمعلم المتمكن هو حجر الزاوية في بناء جيل واعد.
أما الجامعة فهي بوابة المستقبل، ويجب أن تكون مركزاً لإنتاج المعرفة والأبحاث العلمية لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات، فمن خلال ربط التعليم العالي بسوق العمل ودعم الابتكار وزيادة الأعمال يمكن إعداد جيل قادر على خلق الفرص بدلاً من انتظارها، وفي هذا السياق تبرز أهمية تعزيز التخصصات العلمية والتقنية دون إهمال العلوم الإنسانية التي تشكل أساس الوعي والثقافة.
ولا يمكن الحديث عن جيل مثقف دون الإشارة إلى الثقافة والإعلام. فهذان القطاعان مسؤولان عن تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الحس الوطني، ويجب أن يستعيد الإعلام دوره التنويري في مواجهة خطاب الكراهية والجهل وأن تدعم المؤسسات الثقافية من مكتبات ومراكز فنون ومسرح لأن الثقافة الحية هي التي تصنع مجتمعاً حراً ومسؤولاً.
كما تلعب الدولة دوراً محورياً في رسم السياسات التربوية والثقافية وتوفير بيئة داعمة للإبداع والتعليم وتطبيق العدالة الاجتماعية لضمان فرص متكافئة للجميع فالدول التي تستثمر في الإنسان هي الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتجاوزها
في نهاية المطاف نستطيع القول إن بناء جيل متعلم ومثقف هو مشروع وطني طويل الأمد تشترك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والدولة، وعندما تتكامل هذه الجهود ستكون أمام جيل قادر على حمل أمانة المستقبل وحماية هوية المجتمع، وبناء دولة قوية تنتمي إلى عصرها، وتنافس فيه بثقة واقتدار.