الكرد في قلب الدولة المفقودة

الكرد في قلب الدولة المفقودة

خوشناف سليمان

لم تكن الحكاية الكردية يومًا مجرد قصة أقلية تبحث عن مساحة تنفّس، بل كانت السردية الأكثر تعقيدًا في تاريخ سوريا الحديث، سردية شعب وُضِع دائمًا بين فكي السلطة والمشاريع العابرة، بين الخرائط التي رُسمت ببرود في غرف الاتفاقيات، وبين صراع هوية حاولت الأنظمة المتعاقبة محوها بكل ما تملك من أدوات.
على مدى عقود، كانت المنطقة الكردية تُعامَل بوصفها منطقة حدودية، كلمة تبدو بسيطة، لكنها حملت في قلبها أخطر السياسات:
لا مشاريع، لا بنى تحتية، لا استثمار، لا اعتراف، لا جامعات، لا مستشفيات، ولا أي مظهر من مظاهر الدولة، فقط تُركت معلّقة بين الإهمال المتعمّد والشكّ الأمني.
وفي الخطاب الرسمي، كان يُكرَّس سردٌ واحد:
/ الكرد خطر على أمن الدولة/
جملة شبيهة بصفعة تتكرر كل صباح، وكأنها مبرر أبدي لإلغاء الوجود، وباسم هذا الخطر المزعوم، نُفّذ مشروع الحزام العربي، صودرت الأراضي، وجيء بالمغمورين من الرقة والطبقة لإقامة حاجز بشري يفصل الكرد على طرفي الحدود التي رسمتها سايكس ـ بيكو، ففي أربعة أجزاء، كانت حكومات أربع دول مختلفة تتفق على شيء واحد:
الكرد عدو مشترك، أربع سلطات تتشارك الخوف ذاته، وتعيد إنتاج ذات السياسات، كأنها تقرأ من كتاب واحد،
وطنية مكبوتة، ونقاء موقف رغم كل الغبن على الرغم من كل ذلك لم يقف الكرد على هامش الوطن.
منذ انقلاب البعث مرورًا باشتباكات الثمانينات، وحتى صراع النظام مع الإخوان المسلمين، بقي الكرد خارج كل مشاريع العنف السياسي، لم يرفعوا سلاحًا ضد أبناء بلدهم، ولم يشاركوا في نزاعات السلطة، كانوا يحاولون فقط المحافظة على ما تبقّى لهم من حياة، وعلى ما تبقّى فيهم من إيمان بأنّ البلاد يمكن أن تكون للجميع،
وعندما جاء ربيع 2011، وقف الكرد في الصفوف الأولى،
خرجوا في القامشلي وعامودا والدرباسية والحسكة حاملين شعارات الحرية، مؤمنين أن فرصة الدولة المدنية قد وُلدت أخيرًا، كانوا، كما في كل مرة، أوفياء لفكرة سوريا، لا لفكرة السلطة، لكن السلطة التي تجاهلتهم عقودًا، كانت قادرة أيضًا على تجاهل صرختهم الجديدة، غياب الدولة وصعود الفوضى، حين انفجرت سوريا، لم ينفجر فيها النظام وحده، بل انفجر معها معنى الدولة نفسها.
تلاشى الجيش الوطني لصالح عشرات الجيوش الصغيرة، كل منها يرفع راية خاصة، ويقاتل ضمن حسابات إقليمية معقّدة، وفي هذا الفراغ، برزت وحشية جديدة، وحشية لم يعرف لها السوريون مثيلًا:
داعش، جاء التنظيم كقدر أسود، يحمل معه تفسيرًا دينيًا مشوّهًا وقراءة دموية للوجود، لم يكن مشروعه سياسيًا بقدر ما كان مشروع إبادة، كانت نظرة داعش إلى الكرد تتجاوز حدود الخصومة، لتصل إلى إباحية كاملة للدم، سُبي الإيزيديون في سنجار، أحرقت القرى، هجّرت العائلات من كوباني وتل حميس والشدادي، وقُتل المئات في مجازر لم يتوقف صداها حتى اليوم، وفي تلك اللحظة الفاصلة وجد الكرد أنفسهم مرة أخرى أمام سؤال الوجود، لا أمام سؤال السياسة، فدافعوا، وصمدوا، ووقفوا في وجه أعتى تنظيم عرفته المنطقة، في وقت كانت فيه مدن كبرى تنهار بيده خلال ساعات، من مناطق منسية إلى قوة مؤثرة في الإقليم
لم يكن دفاع الكرد عن أرضهم مجرد رد فعل وجودي،
في الفوضى العارمة، وللمرة الأولى، ظهر الكرد كلاعبٍ إقليمي معترف به، قوة بشرية منظّمة، وعسكرية منضبطة، استطاعت أن تقدّم نفسها للعالم كشريك موثوق في الحرب على الإرهاب.
ولأول مرة، وجد الإقليم نفسه يعيد حساباته:
– تركيا لم تعد تنظر إلى الكرد كملف داخلي فقط.
– العراق أدرك أهمية الشراكة.
– وإيران باتت ترى فيهم رقماً يصعب تجاوزه.
– بينما رأت الولايات المتحدة وأوروبا أن الكرد هم القوة التي يمكن الاعتماد عليها حين يتراجع الجميع.
كان ذلك التحول نقطة مفصلية، فشعب كان محرومًا من إصدار صحيفة بلغته أصبح فجأة لاعبًا في خريطة التحالفات الدولية، ورغم ذلك، الذهنية البعثية لم تتغير، ورغم تغيّر العالم من حولهم، بقيت الذهنية الرسمية السورية على حالها، تستمر السلطة في استخدام، فزاعة الكرد، لتبرير الإهمال والتهميش والتخلف المفروض على المنطقة، ولم يُعترف بحقوق السكان، المنطقة تُعامل حتى اليوم كخزان للموارد:
بترول، زراعة، غاز.
وصندوق انتخابي يُفتح عند الحاجة، ويُغلق بعدها فورًا،
في المقابل، ظهر لدى بعض أبناء المنطقة، أولئك المنتفعين والانتهازيين، استعداد لاستثمار ضعف الوعي الشعبي لتحقيق مصالحهم الشخصية: مناصب، نفوذ، صفقات، علاقات فوقية مع النظام، دون أي شعور بالمسؤولية تجاه الأرض التي ينتمون إليها، المستقبل، خيار واحد فقط.
بعد كل هذه العقود من الاضطهاد والاحتواء والقتل والإهمال والوعود الفارغة، صار مستقبل المنطقة واضحًا:
لن يكون هناك استقرار دون نظام ديمقراطي حقيقي، لا مركزي، يضمن الفيدرالية بوصفها الإطار الوحيد القادر على حماية المكونات وتحقيق العدالة وتوزيع الثروة.
لن يصون المنطقة إلا أبناؤها الغيورون على مصالحها، لا السلفيون، ولا الانتقائيون، ولا أولئك الذين يرون في السياسة طريقًا للمنفعة.
فالمنطقة أكبر من أن تكون صندوقًا انتخابيًا، وأعمق من أن تكون حدودًا مؤقتة، وأشرف من أن تُترك نهبًا للمشاريع العابرة.
الفصل الجديد: المناورات السياسية والكردية اليوم
اليوم، بعد كل هذه السنوات من الصراع والمقاومة، يجد الكرد أنفسهم أمام تحدٍ جديد: إدارة قوتهم المكتسبة على الأرض، والحفاظ على المكتسبات السياسية والعسكرية في ظل تحولات الإقليم والدول الكبرى.
لقد شهدنا محاولات واضحة للتقارب بين مختلف القوى الكردية على مستوى القيادة، وهو تقارب يبدو تاريخيًا بعد عقود من الانقسامات والتباينات الإدارية والسياسية، لكن الواقع الميداني أثبت أن الطريق ما زال مليئًا بالتعقيدات،

المكاسب لم تمنع من وقوع اشتباكات محدودة رغم الاتفاقيات المعلنة، وهذا يعكس حقيقة صعبة: أن التحالفات التاريخية لا تُمحي التباينات الاستراتيجية والسياسية بين الفرقاء الكرد.
تتجذر هذه الاشتباكات في عدة أسباب:
* اختلاف الأولويات بين القيادة العسكرية والسياسية،
* التباين في رؤية إدارة الموارد والمناطق الحدودية،
* تأثير الضغوط الإقليمية والدولية على كل طرف،
* نزاعات حول النفوذ داخل الهياكل الإدارية الجديدة التي أنشئت بعد اتفاقات سابقة.
رغم ذلك، يبقى الأفق السياسي واضحًا: جميع الأطراف تدرك أن المصلحة الكردية العليا تتطلب تقاربًا دائمًا وتنسيقًا متواصلاً، وإلا فإن القوى الخارجية والداخلية ستستغل الانقسامات كما استغلتها دائمًا.
إن هذا التقارب، مهما بدا هشًا أحيانًا، هو الخطوة الوحيدة نحو بناء مشروع كردي مستقر يضمن أن تصبح القرارات محلية والمصالح مشتركة، والمناطق آمنة بعيدًا عن التهميش أو الاستغلال.
هذه ليست قصة الكرد وحدهم، بل قصة سوريا نفسها،
قصة بلدٍ يمكن أن ينهض فقط حين يعترف بكل مكوّناته حين يحترم تاريخهم ويعالج مظالمهم ويشاركهم السلطة والثروة والمستقبل.
ولذلك، فإن الكرد، كما كانوا دائمًا ، ليسوا تهديدًا لأمن الدولة، بل هم الركن الأكثر ثباتًا فيها، حماة الأرض بالأمس، وشركاء المستقبل اليوم، وخط الدفاع الأول غدًا.