التاريخ المُغَيَّب في كوردستان سوريا بين إرث لوزان وسياسات الإقصاء الحديثة

التاريخ المُغَيَّب في كوردستان سوريا بين إرث لوزان وسياسات الإقصاء الحديثة

أحمد آلوجي

شهدت الساحة السورية، ولا سيما بعد انهيار منظومة البعث وتساقط ركائز حكم الأسد، صعود فئة من الكتّاب والمعلّقين المحسوبين على السلطة في دمشق تتبنّى خطاباً إقصائياً يكرّر بروح جديدة، الذهنية الشوفينية التي برزت لدى بعض المنظّرين القوميين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مثل منذر الموصللي وسهيل زكّار ومحمد طلب هلال. ورغم تغيّر الظرف السياسي، فإن الأساس الفكري لم يتغير، إنكار التعدُّدية القومية في سوريا، ورفض الاعتراف بأصالة الوجود الكوردي في كوردستان سوريا، وتصويره كوجود طارئ يناقض الحقائق التاريخية والجغرافية والوثائق الأثرية.
إنّ منطقة الجزيرة السورية، التي تشكّل الجزء الغربي من كوردستان سوريا، الممتدة من ديريك شرقاً حتى تخوم الفرات، تُعدّ من أقدم مواطن الحضارات الهورية والميتانية التي تشكّل جزءاً أصيلاً من الجذور التاريخية للشعب الكوردي. وقد أثبتت بعثات الآثار منذ أعمال ماكس مالوان في ثلاثينيات القرن العشرين، مروراً ببعثات لاحقة، أنّ التلال الأثرية في المنطقة تحمل بصمات هورية واضحة تعود للألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.
ورغم عقود من سياسات التعريب منذ حكم البعث، بقيت الذاكرة اللغوية الكوردية شاهدة على عمق الامتداد التاريخي عبر أسماء القرى والمواقع مثل دمدم وشمدينلي وجعفرو وشورى وحموكر الموجودة بجنوب الرد والتي تم تعريب الكثير من قراها.
لا يمكن فهم سياسات الإقصاء التي مورست بحق الكورد في سوريا دون العودة إلى التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. فقد مثّل اتفاق لوزان عام 1923 المحطة الحاسمة التي قُطّعت فيها أوصال الجغرافيا الكوردية بين أربع دول: تركيا، إيران، العراق وسوريا، خلافاً للوعود التي حملتها معاهدة سيفر عام 1920. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الوجود الكوردي موزعاً قسراً بين هذه الدول ضمن ترتيبات دولية منحت الحكومات المركزية لاحقاً الفرصة لاتباع سياسات تستهدف الهوية القومية للكورد، وكان نصيب كورد سوريا من هذه السياسات واضحاً في العقود اللاحقة.
وفي سوريا، بدأت عمليات الهندسة الديموغرافية مبكراً، وتعمّقت مع استلام البعث للسلطة. فقد نُفّذ مشروع الحزام العربي بين عامَي 1962 و1977 بهدف توطين عشائر عربية وافدة في شريط حدودي مصادَر من مالكيه الأصليين من الكورد. كما شكّل الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 خطوة مصيرية، إذ جُرّد أكثر من 120 ألف كوردي من الجنسية السورية، ما وفّر أساساً قانونياً لحرمانٍ ممنهج امتد لعقود ورافقه تضييق إداري وتعليمي واقتصادي.
ورغم هذه السياسات، ظلّ الواقع القومي والتاريخي ثابتاً. فقد حافظت الجزيرة السورية على غالبيتها الكوردية في مدنها الرئيسة مثل ديريك، عامودا، قامشلو، درباسية، سري كانييه إلى جانب تل تمر وريفها الغربي والشمالي، إضافة إلى مناطق كزوان وكوباني وأجزاء واسعة من ريف الحسكة. وتوثّق الخرائط العثمانية والفرنسية وسجلات البعثات الأثرية والسجلات العقارية قبل حكم البعث هذه الحقيقة بصورة واضحة.
وفي المشهد الراهن، برزت على وسائل التواصل الاجتماعي أصوات تحاول إنكار هذا الإرث، وتقديم رواية أحادية تزعم عروبة الجزيرة المطلقة، في تكرار لخطاب الستينيات الذي وصف الوجود الكوردي بأنه وافد. غير أنّ وجود عشائر عربية قديمة أو الحديث عن مستوطنات الغمر لا يمنح أي طرف حق احتكار هوية منطقة متعددة المكوّنات تشكّل كوردستان سوريا جزءها الطبيعي تاريخياً وجغرافياً، ويشكّل الكورد فيها المكوّن الأقدم والأثبت.
إنّ إعادة إنتاج الخطاب الإقصائي يعكس تجاهلاً مقصوداً للحقائق التاريخية، فالوجود الكوردي في كوردستان سوريا وجود ضارب في القدم، وسياسات التعريب والحزام العربي موثّقة في أرشيف الدولة، فيما يؤكد إرث ما قبل لوزان أنّ الكورد كانوا شعباً واحداً قُسّمت أراضيه قسراً. إنّ التمسك بروايات إقصائية لا يخدم إلا تعزيز الانقسام، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى مقاربة قائمة على الاعتراف المتبادل والحقوق المتساوية، وإلى قراءة تاريخية عادلة تنصف جميع مكوّناتها دون تمييز.