سوريا.. تحولات سياسية وانفتاح دولي وتحدّيات داخلية نحو بناء دولة موحدة ومستقرة

سوريا.. تحولات سياسية وانفتاح دولي وتحدّيات داخلية نحو بناء دولة موحدة ومستقرة

عزالدين ملا

تشهد الأوضاع السياسية في سوريا تحوّلاتٍ متسارعةً، مؤذنة ببدء مرحلة جديدة تتميز بـانفتاح واسع على العالم. بعد سقوط النظام السابق، ازداد الاستقطاب الدولي على الساحة السورية بشكل ملحوظ، الأمر الذي تجلى بوضوح في النشاط الدبلوماسي الأخير، وبلغ ذروته بـزيارة الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية- وهو حدث يُنظر إليه على أنه مؤشر قوي لإنهاء عزلة دمشق وبدء التطبيع الدولي.
ومع ذلك، يظلُّ تحقيقُ الاستقرار الداخلي هو الرهان الأكبر. إن ما تحتاجه سوريا بشكل أساسي على الصعيد الداخلي هو تشكيل مناخ إيجابي وأرضية تشاركية تضمن بشكل حقيقي السلم الأهلي والعيش المشترك بين جميع مكونات الشعب السوري. من هذا المنطلق، يصبح تطمين الكورد خطوة لا غنى عنها لترسيخ هذا السلم، وذلك بـضمان حقوقهم السياسية والإدارية في الدستور السوري بشكل واضح وغير قابل للتأويل. إن معالجة هذه الملفات الداخلية هي المفتاح لضمان أن يكون الانفتاح الدولي نقطة تحول حقيقية ومستدامة نحو بناء دولة سورية موحدة ومستقرة.

1-ما الدلالات السياسية لزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية؟
2-كيف يُمكن أن يسهم الانفتاح الدولي في إنهاء عزلة سوريا؟
3-ما التحديات الداخلية التي تواجه سوريا رغم الانفتاح الخارجي؟
4-لماذا يُعدّ تطمين الكورد خطوة أساسية في تحقيق السلم الأهلي؟
5-ما العلاقة بين الإصلاحات الدستورية والاستقرار السياسي في سوريا؟

تحديات وفرص إعادة بناء سوريا، رؤية سياسية وإصلاحات شاملة

تحدث سكرتير حزب المساواة الكوردي في سوريا، نعمت داوود، لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «إن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية حظيت باهتمام واسع دولياً وإقليمياً، وأيضاً من السوريين بمختلف مشاربهم، وتابعتها وسائل الإعلام بشكل كبير كحدث سياسي ذات دلالات عميقة، حيث عكست بوضوح رغبة إدارة دمشق وحكومتها في إعادة تمكين سوريا لتأخذ موضعها ضمن المنظومة الدولية بعد سنوات من العزلة المفروضة عليها، وتسميتها دولة مارقة راعية للإرهاب. وقد أشارت الزيارة إلى استعداد دمشق لفتح أوسع مجال للحوار مع الغرب، والقوى الغربية، ومع أمريكا، كما كشفت الزيارة عن قبول دولي، وإن بشكل تدريجي، بإعادة دمج سوريا في العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، وإن كان بشكل مشروط، الأمر الذي يفتح المجال أمام فرص تساهم في الاستقرار وإعادة الإعمار، وتنشيط اقتصادها المتدهور وإعادة العافية إليه وإلى البنى التحتية».

يتابع داوود: « هذا الانفتاح الدولي الحذر تجاه سوريا، والذي تجلى في تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا ورفعها عن الرئيس ووزير داخليته، وتبادل السفارات مع العديد من الدول بعد إغلاقها طيلة الأزمة السورية، يمكن أن يساهم في عودة سوريا إلى المجتمع الدولي، كسبيل لإنهاء عزلتها، ويتعزز ذلك بتأكيد إنهاء النفوذ الإيراني فيها، وجوداً أو مروراً، وإنهاء الميليشيات المرتبطة بها، ومحاربة الإرهاب الذي تجسد في انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والسياسية التي من شأنها زيادة قدرة سوريا على التواصل مع الدول، وتأمين الموارد لمعالجة أزماتها المالية والاقتصادية والخدمية، وإخراج البلاد من حالة الجمود والدمار».

يضيف داوود: «إن سعي الحكومة السورية الحثيث للخروج من حالة العزلة الدولية، ومحاولة تجميل صورتها، وكسب ود وثقة الدول التي تتعامل معها، لا يعفيها من أعباء مسؤولية الوضع الداخلي، ومعالجة الكثير من الملفات التي ينتظر السوريون حلولاً ناجعة لها، أبرزها الأزمة الاقتصادية العميقة، والبنية التحتية التي دمرها النظام البائد، بالإضافة إلى استمرار الهواجس الأمنية، وعدم ضبط الوضع الأمني والفصائلي الذي لم ينتهِ باندماجاته المعلنة، إضافة إلى وجود ملفات اجتماعية، في وقت لم تُأخذ فيه العدالة الانتقالية مجراها، وانتشار المخيمات العشوائية، وموضوع عودة النازحين إلى بيوتهم. كل ذلك، ولا تزال الثقة بين المواطن والدولة بحاجة إلى ترميم عبر سياسات شفافة وإصلاحات تُشعر الناس بأن التحسن الخارجي سينعكس فعلياً على حياتهم اليومية».

يشير داوود إلى أن: «الملف الكردي يُعدّ من أبرز التحديات التي تواجهها حكومة دمشق، فلم تعد التصريحات الإيجابية بخصوص الكورد وتطمينهم فقط بأنهم يشكلون جزءاً مهماً من النسيج الوطني، كافية لبث الثقة لديهم، دون أن تترجم ذلك إلى أفعال، خاصة وأن ما أقدمت عليه الحكومة من خطوات جاء عكس ذلك، بدءاً من مؤتمرات الحوار، إلى تشكيل لجنة إعلان الدستور وكتابته، وصولاً إلى تجاهل عيد نوروز ضمن الأعياد الوطنية، وأيضاً دعوات اللقاء مع الوفد الكردي المشترك الذي يحظى بإجماع كردي، ناهيك عن عدم الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للكورد.

إن تناول الملف الكردي بشكل إيجابي، والبحث عن حلول مرضية مع ممثلي الشعب الكردي، يفتح المجال أمام شراكة وطنية حقيقية، تكون مفتاحاً لحل باقي المسائل والقضايا والمعضلات التي افتعلها النظام البائد، ويساهم في الحفاظ على السلم الأهلي، ويعزز ثقافة التعايش المجتمعي المشترك، ويكون عاملاً هاماً في بناء دولة مستقرة يسودها الوئام والسلام».

يختم داوود قائلاً: «إن ما ينتظره السوريون هو سن جملة من القوانين والإصلاحات الدستورية العاجلة لرد المظالم، وإعادة الحقوق لأصحابها، وفتح حوار جاد مع كافة المكونات السياسية والقومية كشركاء في رسم مستقبل البلاد، وتأمين الاستقرار السياسي، وصولاً إلى صياغة دستور جديد كإطار ناظم لتوزيع السلطات، وضمان الحريات الأساسية، وإقرار الحقوق القومية لكافة المكونات السورية، ويعبر عن تطلعاتهم.

تحولات السياسة الدولية في سوريا، نحو استقرار وفرض تغييرات جذرية

تحدث عضو الهيئة السياسية للحزب يكيتي الكوردستاني – سوريا، فؤاد عليكو، لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «بالتأكيد أوافقك الرأي بأن الانفتاح الدولي على سوريا بدأ منذ الأيام الأولى لإسقاط نظام الطاغية في ٨ كانون الأول ٢٠٢٤، من حيث تقاطر الوفود العربية والدولية إلى دمشق دون انقطاع، بهدف تقييم واستشفاف سياسة السلطة الجديدة، وكيف تفكر؟، خاصة وأن هذه السلطة ذات أرومة إسلامية متشددة ومصنفة كمنظمة إرهابية وفق القرارات الدولية. وقد عاد الجميع بانطباع مقبول، سواء من خلال المقابلة المباشرة مع رئيس السلطة الانتقالية أو من خلال التصريحات الصحفية التي أكدت أن عقلية الدولة تختلف عن عقلية الثورة. كما بدأ واضحًا ارتياح تركيا والسعودية وقطر لهذا التحول الجديد، وأعربت عن رغبتها في ضرورة منح المجتمع الدولي الفرصة المناسبة للنظام الجديد كي يتمكن من خلق حالة الاستقرار المطلوبة في سوريا. فكانت زيارة وزيرة الخارجية الألمانية السابقة لدمشق، التي كانت مبعث ارتياح في أوروبا، مشوبًا بحذر نسبي. لكن المفاجأة الأكبر كانت لقاء الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مع الرئيس الأمريكي في الرياض، بناءً على طلب ولي العهد السعودي بعد ذلك، حصل التواصل بين السلطة وروسيا، وانتهى بلقاء مع بوتين في موسكو، ثم زيارته للأمم المتحدة وإلقاؤه كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقبل زيارته لواشنطن، قرر مجلس الأمن الدولي بقراره رقم ٢٧٩٩ في ٦ تشرين الثاني رفع صفة الإرهاب عنه وعن وزير داخليته أنس الخطاب، وبذلك أصبح الطريق أمامه ممهداً للذهاب إلى واشنطن دون عوائق قانونية، وبالتالي يمكننا القول إن النظام الجديد قد تجاوز فترة العزلة الدولية بحقه الآن».

يتابع عليكو: «إن ما يحصل في سوريا والمنطقة ناتج من تداعيات وارتدادات طوفان الأقصى في أكتوبر ٢٠٢٣، والقضاء على محور المقاومة الإيراني في المنطقة، وهذا ما حصل لحماس، وحزب الله، وسوريا، وتدمير المفاعل النووي الإيراني، وقدرات إيران العسكرية. ولا تزال الصراعات مستمرة مع هذا المحور في اليمن والعراق، وأن خبت لهيبته بين فترة وأخرى. والنظام السوري الجديد هو القلعة المعتمدة في مواجهة هذا المحور، لأنه يعتبر العنصر الأساسي في قطع أواصر التواصل بين أنصار إيران في العراق ولبنان.

وعليه، يضيف عليكو: «فقد توصل المجتمع الدولي إلى قناعة بأن الأدوات المستخدمة حالياً (الجيش الوطني) غير قادرة على ضبط الأوضاع داخلياً، وتتحكم فيها مراكز قرار متعددة داخلياً وخارجياً، لذلك لا يمكن الاعتماد عليها، بل قد ترتكب مجازر أخرى في أماكن أخرى. كما أن الاعتماد على قوات قسد سيزيد من تعقيد الوضع نظراً لأرومتها الكردية، لذلك لم يبقَ أمام المجتمع الدولي إلا إصدار قرار دولي تحت البند السابع بغية فرض التغييرات المطلوبة داخلياً.
وبالتدقيق في فقرات القرار الدولي رقم ٢٧٩٩، نلاحظ أنها تحقق كل عوامل الاستقرار المنشود، ومن أهمها:
- الاعتماد على القرار الدولي ٢٢٥٤ مع بعض التعديلات، والتي تؤسس لحكم شامل ذي مصداقية، بعيداً عن الطائفية والعرقية، وتحمي حقوق الإنسان وسلامة وأمن جميع السوريين، وتضمن العدالة الانتقالية. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال عملية سياسية شاملة وحوار سوري-سوري، وهذا يتطلب إعادة النظر بصيغة الإعلان الدستوري الحالي، الذي يعتبر فئوياً بكل المقاييس، ولا يحقق الغرض المرجو منه.
- محاربة الإرهاب بكافة فئاته وشرائحه، بدءاً بداعش والقاعدة والمنظمات الإرهابية الأخرى التابعة لهما، بما في ذلك الإرهابيون الأجانب. والمشجع في ذلك هو أن السلطة قبلت بالقرار الدولي وأعلنت انضمامها إلى قوى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب وفق القرار الجديد، وهذا يعني أن الرئيس الشرع قد يضطر إلى الدخول في مواجهة مع (أبي محمد الجولاني)، وهذا ليس بالأمر اليسير، لتحقيق ذلك، دون مؤازرة من المجتمع الدولي الذي قد يستعين بقوات قسد لمكافحة الإرهاب. وهذا يفضي بالضرورة إلى العمل على التفاهم مع قسد في عملية الاندماج، لأن المجتمع غير جاهز حالياً لاستقدام قوى عسكرية قتالية لضبط الأوضاع في سوريا، خاصة وأن هناك سلطة مستعدة للتعامل معها، بالإضافة إلى وجود قوة قتالية جاهزة ومدربة من قبلها، ولا يحتاج الأمر إلا لخبراء ومستشارين عسكريين فقط».

يختم عليكو: «إن سوريا قد دخلت مرحلة جديدة يمكن أن نسميها بالوصاية الدولية، وسوف تقوم الأمم المتحدة بتعيين مبعوث دولي جديد لتنفيذ القرار كما هو دون نقصان. لذلك، من المتوقع أن نشهد في الأشهر القادمة تطوراً إيجابياً في حلحلة الملفات الداخلية، من خلال الإشراف الدولي على الحوار السوري-السوري، وبالتأكيد سيكون للملف الكردي، والدروز، والساحل، أولوية لتحقيق الاستقرار المنشود. ومن المؤكد أن ذلك لن يتحقق إلا بعقد اجتماعي جديد ومرن، من خلال التأسيس لدولة لامركزية لتطمين المكونات السورية المشار إليها سابقاً. ومن الجدير بالذكر أن جميع القرارات الدولية الصادرة تحت البند السابع قد وُجدت طريقها إلى التنفيذ، مثل قرار تحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1990 وقرار تحرير كوسوفو عام 1998».

تحولات السياسة السورية والدور الإقليمي والدولي في مسار الاستقرار

تحدث رئيس فيدرالية منظمات المجتمع المدني، حسن قاسم، لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «تشكل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية محطة سياسية مفصلية في مسار الأزمة السورية الممتدة منذ أكثر من عقد. فالزيارة، التي جاءت في لحظة إقليمية ودولية حساسة، أعادت خلط الأوراق وفتحت باب التأويلات حول مآلات المرحلة المقبلة، على المستويين الداخلي والخارجي. ولعلّ أهم ما يميز هذه الزيارة هو كونها الأولى من نوعها منذ عدة عقود، إضافة إلى وضع دمشق مجددًا في قلب الحركة الدبلوماسية الدولية، بعد سنوات من العزلة والحصار والقطيعة.
تحمل الزيارة عدة مؤشرات سياسية يمكن قراءتها في إطار التحولات الجارية في الإقليم وفي الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
أولى هذه الدلالات تتمثل في عودة الولايات المتحدة إلى لعب دور مباشر في الملف السوري، بعد سنوات اكتفت فيها بسياسات الاحتواء أو الاعتماد على الوكلاء الإقليميين. وهذا الانخراط الجديد يوحي أن واشنطن بدأت تنظر إلى الأزمة السورية كجزء من معادلة الاستقرار الإقليمي، وخصوصاً في ظل الاضطرابات المتسارعة بعد 7 أكتوبر 2023، واندلاع صراع محاور جديد في الشرق الأوسط.
أما الدلالة الثانية، فهي اعتراف ضمني بأن السلطة الانتقالية في دمشق باتت لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية، وأن شخصية الشرع مقبولة نسبيًا من الأطراف الدولية المختلفة، نظراً لصورته البراغماتية وقدرته على إدارة المفاوضات المعقدة.
وتبرز الدلالة الثالثة من خلال طبيعة الملفات التي حملها الوفد السوري، بدءاً من ملف مكافحة الإرهاب، مرورًا بملف المقاتلين الأجانب، وصولاً إلى مستقبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودورها في الجيش السوري.

يتابع قاسم: «إن التجارب الدولية تظهر أن الدول الخارجة من أزمات طويلة تحتاج إلى بوابة دولية لتطبيع علاقاتها، وهو ما تسعى دمشق اليوم إلى تحقيقه. فالانفتاح على الولايات المتحدة وأوروبا يتيح لسوريا عدة مكاسب استراتيجية، أبرزها:
- رفع جزء من العقوبات الاقتصادية أو تخفيفها تدريجيًا، الأمر الذي يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد السوري المنهك.
- استئناف العلاقات الدبلوماسية مع عدد من الدول، وفتح الأبواب أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار.
- إعادة سوريا إلى المنظمات الدولية بشكل فعال، بما يمكنها من الوصول إلى التمويل والإغاثة والتنمية.
- تعزيز موقع السلطة الانتقالية بوصفها شريكًا يمكن الاعتماد عليه، وليس مجرد طرف محاصر ومرتهن للتوازنات الإقليمية.
لكن الانفتاح الدولي لا يحقق نتائجه تلقائيًا؛ فهو يرتبط بمدى استعداد دمشق لتنفيذ تعهدات داخلية وخارجية، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وإصلاح الأجهزة الأمنية، وضمان مشاركة المكونات السورية كافة في إعادة بناء الدولة».

يعتقد قاسم: «إنه رغم أهمية الانفتاح الدولي، فإن الداخل السوري مازال يواجه سلسلة من الإشكاليات العميقة التي تُحد من قدرة أي اتفاق خارجي على تحقيق الاستقرار.
أبرز هذه التحديات يتمثل في مشكلة مركزية القرار واستمرار البنية الإدارية والأمنية القديمة، التي لم تخضع بعد لإصلاحات جوهرية تتناسب مع المرحلة الانتقالية.
كما يبرز تحدي الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، التي جعلت السوريين يعيشون واحدة من أسوأ المراحل المعيشية منذ عقود. وتحتاج هذه الأزمة إلى حلول هيكلية، لا مجرد مساعدات مؤقتة.
إضافة إلى ذلك، يشكّل ملف المتطرفين والمقاتلين الأجانب تحديًا أمنيًا خطيرًا، خصوصًا في ظل التفاهمات الأمريكية-التركية-السورية حول تفكيك الجماعات الجهادية في الشمال».

يشير قاسم: «إن الشعب الكوردي يشكل أحد المكونات الأساسية في سوريا التاريخية، ودوره في محاربة الإرهاب والاستقرار الإقليمي أصبح معترفًا به دوليًا. ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي لا يأخذ الحقوق الكوردية بجدية يُكتب عليه الفشل منذ البداية.
تطمين الكورد لا يعني فقط الاعتراف بحقوقهم الثقافية والإدارية، بل يعني أيضًا ضمان مشاركتهم في صياغة الدستور وإدارة البلاد، وعدم العودة إلى سياسات الإنكار والتهميش السابقة.
وتدرك واشنطن ومعظم العواصم الغربية أن الضمانة الحقيقية لاستقرار سوريا تتمثل في اتفاق سياسي مع الكورد.
كما أن أي تجاهل للكورد سيؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع، ويُبقي مناطق شمال وشرق سوريا في حالة توتر دائمة، مما يُعطل جهود إعادة الإعمار والاستقرار».

يختم قاسم: «إن السلطة الانتقالية تدرك أن الإصلاحات الدستورية هي المفتاح الرئيسي لتجاوز إخفاقات الماضي. فالدستور الجديد يجب أن يعكس واقع سوريا المتعددة، ويضمن المشاركة السياسية، ويحد من تغول السلطة المركزية، ويضع أسسًا لامركزية سياسية».

سوريا على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، الانفتاح الدولي ودور الكورد في بناء المستقبل

تحدث عضو هيئة السكرتاريا لاتحاد الطلبة والشباب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، جوان علي، لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «سوريا الجديدة تقف اليوم أمام منعطف تاريخي، بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام والعزلة الدولية التي كبّلت البلاد وأضعفت حضورها في محيطها الإقليمي والدولي. ومع سقوط النظام السابق وبروز قيادة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع، بدأت ملامح مرحلة سياسية أكثر انفتاحًا تتشكل، عنوانها الأساسي العودة إلى المجتمع الدولي بالتوازي مع السعي لضمان الاستقرار الداخلي. وقد شكّلت زيارة الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، محطة سياسية بارزة حملت أبعادًا متعددة تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، فهي ليست مجرّد زيارة بروتوكولية بل حدث مفصلي في مسار العلاقات الخارجية لسوريا، يحمل دلالات سياسية عميقة تتمثل في إنهاء العزلة الدولية التي فُرضت على دمشق لسنوات طويلة، والاعتراف الدولي بالقيادة الانتقالية ومنحها شرعية إضافية، وفتح الباب أمام شراكات اقتصادية وسياسية مع الولايات المتحدة بما ينعكس على إعادة الإعمار، فضلاً عن كونها إشارة إلى توافق دولي على ضرورة الحل السياسي السوري–السوري بعيدًا عن الإملاءات العسكرية».

يتابع علي: «إن الانفتاح الدولي يشكّل رافعة رئيسية لإعادة إدماج سوريا في النظام الإقليمي والدولي عبر تفعيل العلاقات الدبلوماسية وتبادل الزيارات مع الدول الكبرى والمنظمات الدولية، وجذب الاستثمارات والمساعدات التي تحتاجها سوريا بشدة لإعادة الإعمار وبناء المؤسسات، وتعزيز الدور الإقليمي لسوريا واستعادة مكانتها الطبيعية في المحافل العربية والدولية، وتحسين البيئة السياسية والاقتصادية الداخلية عبر دعم برامج الإصلاح والحكم الرشيد. غير أن هذا الانفتاح، مهما بلغت أهميته، يظل غير كافٍ ما لم يواكبه خطوات جدية وحقيقية لإيجاد حلول مستدامة لقضايا الداخل السوري، فالتحديات الداخلية تمثل الرهان الأكبر، ويمكن تلخيصها في إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري بعد سنوات الانقسام، وإصلاح المؤسسات الأمنية والإدارية، وبناء دولة القانون، وإعادة الإعمار على مستوى البنى التحتية والاقتصاد والخدمات والتعليم، ومعالجة ملف النازحين واللاجئين بطريقة عادلة وآمنة، وصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن المساواة والحقوق لجميع المواطنين، دون تمييز، ويؤسس لدولة ديمقراطية لامركزية».

يضيف علي: «إن ملف الكورد يُبرز كأحد أهم مفاتيح الاستقرار الداخلي، فالكورد باعتبارهم ثاني قومية في سوريا، وشعبًا يعيش على أرضه التاريخية، يشكلون جزءًا أصيلًا من المجتمع السوري. وقد لعبوا دورًا مهمًا في المشهد السياسي والعسكري خلال سنوات الثورة. لذلك، فإن الاعتراف بحقوقهم القومية والسياسية والإدارية في الدستور بصيغة واضحة لا تقبل التأويل هو شرط لا غنى عنه لترسيخ السلم الأهلي. إن ترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية ومنع أي شعور بالإقصاء أو الظلم يعزز الثقة بين المكونات السورية، ويمنع النزاعات المستقبلية، ويجعل من سوريا دولة قادرة على بناء بيئة آمنة للعيش المشترك».

يشير علي: «إلى أن الدستور هو حجر الأساس لأي دولة، ومن دون إصلاحات دستورية واضحة وجدية، تظل العملية السياسية معرضة للفشل. يجب أن يحدد الدستور الجديد شكل الدولة ونظام الحكم وصلاحيات السلطات بما يضمن عدم عودة الاستبداد، ويكفل مشاركة جميع المكونات في إدارة الدولة، ويحقق العدالة والتنمية في كافة المناطق السورية.

يختم علي: «المؤشرات الحالية تشير إلى أن سوريا تقف عند مفترق طرق تاريخي، فالانفتاح الدولي الذي تجلّى بزيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة يمثل فرصة لإنهاء العزلة واستعادة العلاقات مع العالم، غير أن هذه الفرصة لن تكتمل إلا بالعمل الجاد على ترميم الداخل وبناء بيئة سياسية واجتماعية جديدة تضمن لجميع السوريين حقوقهم، وفي مقدمتهم الكورد، بما يمهّد لإقامة دولة لامركزية مستقرة وعادلة، قادرة على أن تكون فاعلاً إيجابيًا في محيطها الإقليمي والدولي».