من إمرالي إلى قامشلو: هل تملك تركيا شجاعة الاعتراف بزمن الكرد؟
صلاح عمر
لم تكن زيارة اللجنة البرلمانية التركية لعبد الله أوجلان في سجنه المعزول في إمرالي تطورًا عابرًا يمكن أن يمر دون قراءة دقيقة. فهذه الخطوة، في توقيتها وسياقها، تحمل ما يكفي من الدلالات لتفتح باب التأويل على مصراعيه. ففي منطقةٍ يعاد تشكيل خرائطها السياسية والاجتماعية، يصبح أي تحرك تركي تجاه الملف الكردي حدثًا لا يمكن عزله عن التحولات العميقة التي تمر بها المنطقة برمّتها.
وإذا كانت الزيارة تحمل نية حقيقية لفتح نافذة للحوار ووضع المسألة الكردية على سكة حلّ يعترف بالحقوق، ويوقف دوامة الدم، فهي خطوة تستحق الترحيب؛ لأنها تُعد مكسبًا للشعبين معًا، وللاستقرار الذي افتقدته تركيا والمنطقة لعقود. أما إذا جاءت بإيعاز من الرئيس رجب طيب أردوغان، فهذا يمنحها وزنًا سياسيًا إضافيًا، إذ لا يتحرك الملف الكردي في تركيا إلا بقرار رئاسي مباشر.
ولكن هنا يبرز السؤال الأكثر إرباكًا:
لماذا لم يصدر حتى الآن أي تصريح رسمي يتحدث بوضوح عن “الحل” أو “القضية الكردية”؟
الخطاب التركي ما يزال يدور حول عبارة واحدة: "تركيا بلا إرهاب"، وكأن القضية تختزل في صيغة أمنية تقليدية أثبتت فشلها مرارًا. فإذا كانت وفود الدولة تذهب إلى أوجلان لتقول له إن المطلوب هو “التعاون في إنهاء الإرهاب”، فهذه ليست بداية مسار سياسي، بل استمرار لنهج قديم يرتدي قناعًا جديدًا.
اليوم، تبدو تركيا أمام منعطف تاريخي. فالشرق الأوسط يُعاد ترتيبه وفق معايير جديدة، ولم يعد ممكنًا تجاهل حقيقة أن الشعب الكردي بات عنصرًا ثابتًا في معادلات القوة، وفاعلًا لا يمكن تجاوزه. التجارب السابقة أثبتت أن سياسات الإنكار وكسر الإرادة وإرهاب الدولة لم تنتج إلا مزيدًا من الانقسام والمقاومة، وأن المستقبل لن يُبنى ما لم يُعترف للكرد بحقوقهم بوصفهم مكوّنًا أصيلًا في هذه المنطقة.
لكن المفارقة الأكثر إثارة للدهشة تكمن في أن الوفود التركية تذهب إلى إمرالي لبحث ملفات تخص كُرد سوريا. وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة:
لماذا إمرالي وليس قامشلو؟
هذا التوجّه، بكل ما يحمله من رمزية، يعكس نزعة لتجاوز الإرادة السياسية للكرد السوريين، واختزال مصيرهم في شخص واحد مهما علا شأنه الرمزي. فالقضية الكردية في سوريا ليست ملحقًا لأحد، بل هي قضية شعبٍ قدّم تضحيات ضخمة، وبنى مؤسسات سياسية وعسكرية وإدارية لا يمكن تجاوزها في أي نقاش حول المستقبل.
إن احترام إرادة الكرد السوريين ليس خيارًا دبلوماسيًا، بل شرطًا واقعيًا لأي حلّ. ومن هذا المنطلق، يجب أن تكون الرسالة واضحة:
إذا كانت أنقرة تبحث عن حوار حقيقي، فقامشلو ليست ساحةً للتفاوض بديلًا عن أصحاب الحق، بل هي المكان الطبيعي للحوار معهم، بوصفهم شركاء لا غائبين.
تركيا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي:
إمّا أن تتمسك بالخطاب القديم الذي لم يُنتج سوى الألم والانقسام،
وإمّا أن تفتح صفحة جديدة تعيد الاعتبار للحوار والاعتراف والحقوق، وتضع أسس تعايش مستدام في وطن متعدد ومتوازن.
وإذا اختارت تركيا الطريق الثاني، فإن انعكاساته لن تتوقف عند حدودها، بل ستعيد رسم العلاقات في سوريا والعراق وإيران، وتفتح للكرد صفحة جديدة طال انتظارها، صفحة تضعهم في موقعهم الطبيعي ضمن توازنات الشرق الأوسط الجديد.
إن اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم لا تنتظر المترددين؛ إنها فرصة نادرة قد تُمهّد لحلّ عادل، أو تعيد إنتاج أزمة عمرها قرن. والفرق بين الطريقين كلمة واحدة: الإرادة السياسية.