رياحُ «السِّموم»
علي جزيري
تهبُّ هذه الرياح الضارة من البوادي العربية على شرق المتوسط، ترافقها عادة الحرارة والجفاف وانخفاض الرؤية، وعواصف غبارية أولاً، وأسراب الجراد قُبَيْلَ حلول موسم الحصاد قديماً، لتُحوِّل حقول القمح إلى أرض يباب ثانياً، ناهيك عن الغزاة الذين انطلقوا من تلك الصحاري تحت شعار "الفتح"، فمارسوا التضليل، وزعموا أنهم "جنود الله"، ثم إجتاحوا ديار أسلافنا، وأُرغموهم التلويح بالراية البيضاء، ثم راحوا يتنافخون شرفاً بأنهم دخلوا في دين الله طوعاً ثالثاً. تباً لهؤلاء.. كيف نُصَدِقْهم، ونحن شهود عيان على توحش أحفادهم، وإرتكابهم جرائم مشينة في الأمس القريب بمنتهى الخسة، من سلب ونهب وسبي وإغتصاب بحق الكرد الايزيديين الأبرياء وغيرهم، حتى قال في أمثالهم مظفر النواب: (الآن أعريكم.. لستُ خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم.. إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم.. تتحرك دكة غسل الموتى، أما أنتم فلا تهتز لكم قصبة)
بعد إنحدار عالمنا في ظل الرأسمالية المتوحشة نحو الهاوية، تردت الأوضاع نحو الأسوأ، فأقبلت الفصائل المتطرفة على ترويج شعاراتها البائدة وقيمها المبتذلة، بغية إقتلاع الشعوب الأصلية من جذورها، عبر حملاتها البربرية، وترويج ثقافة الكراهية لإبن تيمية. ولمّا حل (عين إعصار الإرهاب) في سوريا كثمرة لصعود الإسلام السياسي على المسرح، بات الخوف من التحول الديمقراطي يقض مضاجع التكفيريين، فراحوا يستعيضون الديمقراطية بـ "الشورى" على نحو موارب تارة، أو التنصل من هذا المصطلح الذي يثير حفيظتهم أصلاً، وإدراجه في خانة مفاهيم بلاد "الكفر" التي لا تناسب واقعنا تارة أخرى، أو القبول بالديمقراطية على مضض حين تلامس رغباتهم في هيمنة الأغلبية السنية تارة ثالثة.
فالتشبث بمقولة "الأكثرية"، وهي"كلمة حق يُراد بها باطل"، يحجب عنا الحقيقة، وتعيد إلى الذاكرة صعود هتلر وحزبه النازي وتسلقهما سدة الحكم في المانيا عبر الأغلبية غير الرشيدة بالضرورة، وتجربة المرسي في مصر ليست ببعيد. فالحل الناجع في سوريا يكمن في صيانة حقوق المكونات قاطبة، عبر ضمانات دستورية، وعقد اجتماعي ينص على تحقيق الفيدرالية والتداول السلس للسلطة. وينبغي التنويه بأن إنتهاج السلطة الجديدة شماعة الأكثرية، والتباهي بها لإقصاء هذا المكون أو ذاك، هي ذات السياسة التي أنتهجت منذ تأسيس سوريا.
وما إدِّعاء سلطة الأمر الواقع، التي تسنمت قمة الهرم بإرادة دولية وإقليمية، من أن الأكثرية عانت من حكم "الأقليات"، في إشارة لافتة إلى العلويين، دون التمييز بين المكون العلوي الكريم، الذي عانى بدوره من استبداد الأسد والعلوية السياسية التي كانت تدعم أركانه، مثلما ينبغي التمييز بين المكون السني وبين السنة السياسية المتمثلة في إرهابيي تورا بورا. كما لا يمكن تبرئة أغلبية السُّنة، الذين ظلوا صامتين إزاء إضطهاد شعبنا الكُردي وتجريد مئات الآلاف من جنسيتهم، وإقامة الحزام العربي بهدف التغيير الديموغرافي، وإنتهاج سياسة التعريب، وإجهاض الانتفاضة الكردية عام 2004، حين كانوا يتسنمون رئاسة الحكومة والبرلمان، وحقائب وزارة الدفاع والخارجية والداخلية، ناهيك عن الجيش والشرطة وأجهزة الأمن والقيادتين القومية والقطرية؛ وكانوا يصفقون للهبل الأكبر ويؤازرونه. وها هم اليوم يتنصلون من هذه المسؤولية التاريخية، رغم أنهم كانوا شركاء حقيقيون للطاغية في بسط هيمنته، وبعد فرار المخلوع سرعان ما اختار أسعد الزعبي وفيصل القاسم وأمثالهما طريق "التكويع"، بسلوكهم الحربائي المريب...!