حين لا يسع وطنٌ واحدٌ أحلامَنا*

حين لا يسع وطنٌ واحدٌ أحلامَنا*

سيماف خالد محمد
أقام نادي المدى للقراءة في أربيل، وبالتعاون مع معهد غوته الألماني، جلسة احتفائية لمناقشة رواية «بلد واحد لا يكفي» للكاتبة «مريم عادل»، وهي إحدى أعضاء النادي في أمسية بدت امتداداً طبيعياً لمسيرة النادي الذي يمضي في عمله الثقافي منذ أحد عشر عاماً دون انقطاع، وذلك في جلسته رقم ١٣٨ من سلسلة مناقشاته.

جاء الاحتفاء بالرواية بوصفه إنجازاً للكاتبة وللنادي معاً، إذ رأى الحضور في صدور العمل خطوة تعبّر عن تراكم طويل من القراءة، التجربة والتفكير الذي ينمو داخل هذا الفضاء المعرفي.

بدت الجلسة كعودة دافئة للرواية إلى محيطها الأول، البيئة التي احتضنت فكرتها الأولى ورافقت خطوات تشكّلها حتى اكتملت، وتولّت إدارة الجلسة «سيماف خالد محمد» عضو إدارة نادي المدى للقراءة في أربيل، التي قادت الحوار، وأتاحت للحضور الاقتراب أكثر من الرواية وأسئلتها الإنسانية.


قدّمت الكاتبة خلال الحوار رؤيتها لطبقات العمل ودلالاته، موضحةً أن اختيارها لعنوان الرواية لم يكن من أجل الرمزية المجرّدة، بقدر ما كان تعبيراً عن فكرة الإنسان حين تتعثر خطواته في وطنه الأول، فالمغادرة القسرية لا تتيح له السير مستقيماً في أي مكان آخر، حتى وإن نجحت تجربة الاغتراب لدى البعض يبقى كما ترى جزء ناقص في أي وطنٍ بديل، قطعة مفقودة لا تعوّضها المسافات ولا تُكمّلها المدن.

وتحدثت عن حضور الموت في الرواية مشيرةً إلى أنها لم تلجأ إليه لجذب القارئ، بل لأنه يشكّل بداية المآسي التي عصفت بالعراقيين لا الموت الطبيعي المحتوم، بل الموت الوحشي الذي طبع تاريخ الجمهورية العراقية بقسوة لا تشبه طيبة الناس في الشارع، هذا التناقض ظلّ سؤالًا يرافقها: من أين يأتي كل هذا العنف في مجتمع يتسم أفراده بالبساطة والكرم والمحبة؟

أما العلاقة بين دمشق وبغداد، فوصفتها بأنها علاقة تشبه علاقة أختين وُلدتا في بيتٍ واحد ورحمٍ واحد لا مجرّد انعكاس مرآة، تجمعهما العراقة، اللغة، العمق التاريخي وتظلّان تسكنان كلّ من يمرّ بهما إلى الأبد.

امتدّ الحديث إلى مدن أخرى كأربيل، التي باتت نموذجاً لمدينة عريقة قادرة على احتضان اختلافات واسعة من جنسيات، قوميات، ديانات وطوائف في مشهد من التعايش يستحق الإشارة.

في حديثها عن المنفى قالت الكاتبة إن الغربة تعلّم الإنسان أن الوطن ليس تراباً فقط، بل دفء وطمأنينة لا يستطيع القلب استعادتهما مرة أخرى، لذلك تظل البلدان الأخرى بدائل مؤقتة مهما أغدقت على الإنسان من الخيرات.

أما الحب في الرواية فحضر بمعناه الواسع لا الضيق إذ لم تقدّمه الكاتبة كعلاقة عاطفية بين رجل وامرأة، بل كقوة خفية تُبقي الإنسان واقفاً أمام المآسي، تجلّى الحب بمحبة الأهل، الابن، الأخت، العمل والطموح، وحتى بحب الله وهو أسمى أشكال الحب وبحسب رؤية الرواية فإن النجاة من الكآبة واليأس لا تتحقق إلا عبر هذا الحب الشامل، فغالباً ما نُكمل الطريق من أجل من نحبهم لا من أجل أنفسنا وحدنا.

أوضحت الكاتبة أن موقف أحمد بطل الرواية من العودة إلى الوطن لم يكن نابعاً من عشقٍ للمنفى أو رفضٍ للوطن، بل من ضيقه بالشعور القسري الذي أحاط بقراره فالبشر بطبيعتهم ينفرون من كل خيار يُفرض عليهم مهما كان قريباً من قلوبهم.

وبيّنت أن الرواية رغم بنائها الفني تستند إلى واقع ثقيل ومؤلم لذلك جاء حضور شخصية “منى” كنافذة صغيرة للضوء وسط العتمة، فيما تُركت النهاية مفتوحة ليكمل القارئ ما تبقّى من الطريق وفق رؤيته وتجربته.

اختُتمت الجلسة بالتأكيد على أهمية ترسيخ مفهوم المواطنة فالبلد لا يعطي دون أن يُعطى، تماماً كما أن الأرض لا تُثمر إن لم تُلقَ فيها البذور، وأن كتابة التاريخ لا تعني الابتعاد عن الحقيقة، بل النظر إليه بوعي ومسؤولية.

وهكذا غادرت الرواية القاعة كما دخلت إليها: محمّلة بالأسئلة التي لا تنتهي، وبذلك اليقين الخفي بأن الأدب مهما اختلفت طرقه يظل أحد أشكال النجاة القليلة التي نمتلكها في هذا العالم المزدحم بالخسارات.