فن الممكن المقبول: الأخلاق كشرط للسياسة والتحرُّر

فن الممكن المقبول: الأخلاق كشرط للسياسة والتحرُّر

الدكتور: كاميران حاج عبدو

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك المصالح، يغدو الفعل السياسي أكثر ميلاً إلى البراغماتية وأقل اكتراثاً بالبُعد الأخلاقي الذي يمنحه شرعيته ومعناه. ومع أن السياسة عُرّفت طويلاً بأنها «فن الممكن»، إلا أن التجارب التاريخية والراهنة تكشف أن الممكن وحده لا يكفي لبناء مشروع وطني أو تحرُّري مستدام. فليست كلُّ الخيارات التي تتيحها الوقائع مقبولة أخلاقياً أو استراتيجية، بل إن بعضها قد يقوّض الأسس التي تنطلق منها الحركات والأمم. من هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة تعريف السياسة بوصفها فنَّ الممكن المقبول — أي ذاك الفعل الذي يوازن بين الواقعية والمبدأ، بين الحاجة والتاريخ، بين النجاح الآني والشرعية البعيدة المدى.
إن هذا التمييز بين «الممكن» و«الممكن المقبول» يكتسب أهمية خاصة عند دراسة حركات التحرر الوطني والاجتماعي، التي تعمل في سياقات صراعية معقدة وتواجه قيوداً داخلية وخارجية متعددة، مما يجعل تحديد الممكن المقبول ضرورةً أخلاقيةً واستراتيجيةً في آن واحد.
الممكن، من منظور سياسي بحت، هو كل خيار يمكن تحقيقه على أرض الواقع ضمن الموارد والقدرات المتاحة. أما الممكن المقبول، فهو الخيار الذي يتجاوز الجانب العملي إلى البعد الأخلاقي والاستراتيجي، حيث يوازن بين النتائج المرجوة والالتزام بالقيم الجوهرية للحركة، مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. غياب هذا التمييز قد يجعل السياسة مجرّد ممارسة قوة قصيرة المدى، بينما تحديد الممكن المقبول يمنحها أبعاداً أخلاقية واستراتيجية، ويجعلها أكثر استدامة وفاعلية.

من منظور فلسفي، يشير الفيلسوف «روسو» إلى أن الحرية تتحقق ضمن إطار القيم الاجتماعية المشتركة، وأن أي ممارسة سياسية لا تراعي هذا الإطار تفقد مشروعيتها. أما «غرامشي»، فيرى أن بناء «الهيمنة الأخلاقية» يضمن أن يصبح الممكن المقبول جزءاً من الوعي الجماعي، وأن تتحول السلطة من مجرد فرض واقع إلى مشروع يحظى بدعم المجتمع. من جانبه، يركّز فرانتس فانون على البعد التحرّري للسياسة، حيث يعتبر أن الصراع ضد الاستعمار أو القمع ليس مجرد صراع على الأرض، بل عملية تهدف إلى إعادة الإنسان إلى كرامته، وهو ما يجعل تحديد الممكن المقبول ضرورة أخلاقية واستراتيجية في آن واحد.

تجارب حركات التحرُّر التاريخية توضّح تطبيق هذا المفهوم على أرض الواقع. في الهند، برزت حركة اللاعنف بقيادة المهاتما غاندي كمثال على اختيار الممكن المقبول، حيث رغم توفُّر خيارات عنيفة لتحقيق الاستقلال بسرعة أكبر، اختارت الحركة نهجاً سلمياً قائماً على القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهو ما حافظ على الشرعية الشعبية والدّعم الدولي وساعد في تحقيق استقلال البلاد بطريقة مستدامة.

وفي جنوب إفريقيا، برزت تجربةٌ موازنةٌ الخيارات بين الكفاح المسلح والمفاوضات السياسية، حيث تم تحديد الممكن المقبول وفقاً لمبدأ الحفاظ على شرعية الحركة أمام الجماهير وتحقيق انتقال سلمي يضمن استقرار الدولة بعد نهاية الفصل العنصري. فيما تظهرُ في فيتنام تجربة الحفاظ على الدّعم الشعبي والشرعية الدولية أثناء الصراع ضد الاستعمار الفرنسي والتدخل الأمريكي، الأمر الذي استلزم استخدام خيارات تكتيكية محدودة ومنضبطة لضمان عدم الانحراف عن القيم الأساسية للحركة.
تمثل تجربة الحركة الكردية في إقليم كوردستان نموذجاً معاصراً لتجسيد مفهوم «الممكن والممكن المقبول» في الممارسة السياسية، إذ واجه الشعب الكردي، على مدى عقود طويلة، سلسلة من التحديّات المركّبة شملت القمع السياسي الممنهج، والحروب الإقليمية، والتّدخُّلات الخارجية المتكررة. وقد انتهجت الأنظمة العراقية المتعاقبة، في سعيها لإلغاء الوجود الكردي وإجهاض تطلعاته القومية المشروعة، مختلف الوسائل العسكرية والسياسية، بدءاً بسياسات الأرض المحروقة والتغيير الديموغرافي القسري، مروراً باستخدام الأسلحة الكيميائية وعمليات الإبادة الجماعية، وانتهاءً بحملات التهجير المنظم. كما استُخدمت أساليب إرهابية ومحاولات اغتيال استهدفت قيادات الحركة، وفي مقدمتهم الأب الروحي للأمة الكردية القائد الخالد مصطفى بارزاني، والرئيس مسعود بارزاني، في محاولة لكسر إرادة القيادة وتقويض المعنويات الشعبية.
ورغم جسامة تلك الجرائم وتعدُّد أشكالها، التزمت الحركة الكردية بضبط النفس، وامتنعت عن القيام بأعمال عدائية ضد المدنيين أو استخدام وسائل انتقامية مماثلة، كما لم تستهدف القوات العراقية التي استسلمت لها في مراحل النزاع المختلفة. ويعكس هذا السلوك وعياً عميقاً بالحدود الأخلاقية التي ينبغي ألا يتجاوزها النضال التحرري، وإيماناً راسخاً أن شرعية الكفاح لا تُستمد من حجم الانتصار العسكري أو السياسي، بل من التزامه بالقيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية التي تضمن استمراريته ومصداقيته التاريخية.

في هذا السياق، لم يكن كافياً مجرد تحقيق الممكن سياسياً، بل أصبح من الضروري تحديد الممكن المقبول كإطار يوازن بين الشرعية الأخلاقية والفاعلية الاستراتيجية للحركة. استندت استراتيجيات الحركة الكردية إلى مزيج متوازن من الكفاح العسكري المنضبط ضد القوى القمعية، والحفاظ على شرعية الحركة على المستويين المحلي والدولي، إضافة إلى بناء مؤسسات مستقرّة وفعّالة في الإقليم وإدارة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية بحكمة.
وقد مكّن هذا الوعي بالحدود المقبولة الحركة من تحويل إمكاناتها إلى إنجازات ملموسة، تمثلت في الحصول على وضع فيدرالي رسمي ودستوري، وإرساء مؤسسات حكومية مؤثرة، وتعزيز التنمية العمرانية، وإقامة علاقات إقليمية ودولية قائمة على الاعتراف والاحترام المتبادل.

لقد ساعد الالتزام بالممكن المقبول في ضمان استمرارية الدعم الشعبي والحفاظ على الشرعية الأخلاقية والسياسية للحركة، كما منع الانزلاق نحو سياسات قد تهدد أهدافها طويلة المدى. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن إدراك حدود الممكن المقبول لم يكن مجرّد مسألة تكتيكية، بل أداة فلسفية واستراتيجية أساسية تحوّل الإمكانات الواقعية إلى فعل سياسي مسؤول قادر على تحقيق أهداف التحرر بشكل مستدام.

الممكن المقبول يعمل هنا كإطار جدلي بين البراغماتية والقيم العليا، فهو يسمح بالتحرك السياسي والعسكري ضمن حدود الواقع مع المحافظة على المبادئ الأساسية للحركة، ويحوّل السياسة التحررية من مجرد مقاومة ظرفية إلى فعل بناء قادر على تأسيس مؤسسات مستقرة وشرعية. ومن منظور فلسفي، يصبح هذا الإطار أداة لفهم العلاقة بين القوة والعدالة، بين الإمكان والشرعية، ويحوّل السياسة إلى ممارسة حكيمة ومسؤولة، لا مجرد ممارسة قوة عابرة.

في نهاية المطاف، لا تُقاس السياسة بما تحققه من مكاسبَ آنيةٍ بقدر ما تُقاس بقدرتها على صون المعنى الإنساني في ممارسة القوة. فـ «فن الممكن المقبول» ليس مفهوماً نظرياً أو شعاراً عابراً، بل شرطاً جوهرياً لبقاء السياسة فعلاً أخلاقياً.
فالسياسة من دون أخلاق قد تحقّق انتصاراتٍ عابرةً، لكنها لا تصنع مستقبلًا.