كلمات تتجاوز الزمان والمكان
تورين شامدين
قال زعيم الأمة الكوردية، الرئيس مسعود بارزاني:
"الأخوات والأمهات القديرات، هذا شرف كبير لي أن أكون بخدمتكم، باستثناء الله، نحن لا ننحني لأحد، لكن لأمهات الشهداء وعائلاتهم ننحني عشر مرات."
هذه الكلمات نبضٌ حيٌّ لتاريخ الأمة، ورمز خالد لفلسفة القيادة التي تجمع بين القوة والوفاء، بين السياسة والأخلاق، بين المسؤولية الوطنية والروح الإنسانية. الانحناء هنا ليس حركة جسدية، بل طقس رمزي يعكس عمق الاحترام، ويجسد لحظة التقاء الزمن والمكان، حيث تتلاقى الذاكرة الجماعية مع قيم البطولة والتضحية.
تخيل لحظة الانحناء عشر مرات. كل انحناءة تمثل اتصالاً مباشرا مع تاريخ الأمة وذاكرة الشهداء وأمهاتهم. كل حركة تعكس تقديرا لما قدمه الرجال والنساء من دماءهم الغالية في سبيل الحرية، وكل دمعة من أمهات الشهداء تحفر درساً خالداً في قلب الأمة. الانحناء العشر مرات إنه إعلان أن الوفاء الحقيقي يقاس بالفعل، وأن القوة بلا وفاء هي مجرد صدى فارغ.
أمهات الشهداء هن حاملاتُ الذاكرة الوطنية. في صمتهن، في دموعهن، تكتب فصول البطولة والتضحيات. كل واحدة منهن تمثل كتاباً مفتوحاً عن معنى الشرف والوفاء، والانحناء لأجلهن هو تقدير حقيقي للقيمة التي منحها أبناؤهن للوطن.
من أيلول إلى كل قرية ومدينة شهدت مقاومة الكورد، هناك أسماء لا تنسى، ووجوه تتردد في ذاكرة الأرض: شباب، بنات، أمهات، جميعهم ضحوا بالغالي والنفيس. كلمات الرئيس بارزاني تربط كل هذه التضحيات برمز واحد: القيادة الحقيقية تقاس بالقدرة على الانحناء احتراما لمن صنع التاريخ.
عدد الانحناءات العشر ليس عشوائيا؛ كل واحدة تمثل قيمة أساسية من قيم الأمة: الصبر، الشجاعة، التضحية، الوفاء، الشرف، الكرامة، المقاومة، الإيمان، الحق، والتاريخ. عشر انحناءات تعني أن الوفاء ليس شعارات تلقى على المنابر.
القيادة، كما يوضح هذا الانحناء، هي توازن بين الحزم في الميدان والرحمة في القلب، بين القوة السياسية والوفاء الأخلاقي. القوة وحدها لا تبني أمة؛ الأمة تبنى بالاعتراف بالتضحيات، وبالتقدير لمن قدموا حياتهم في سبيل الحرية. الانحناء لأمهات الشهداء يرمز إلى أن الوفاء قيمة تفوق كل مصالح شخصية وسياسية، وأن الاعتراف بالتضحيات هو حجر الأساس لأي قيادة شريفة.
كل انحناءة هي حكاية صغيرة: قصة أم فقدت ابنها، قصة شاب ضحى بحياته، قصة قرية صمدت في وجه الظلم والقهر. الانحناء هنا هو سرد رمزي لهذه الحكايات، لحظة تتحد فيها التضحيات الفردية مع الذاكرة الجماعية، لتصبحَ شهادةً حيةً على استمرار الأمة وعظمتها. القيادة الحقيقية ليست مجرد إدارة مصالح، بل القدرة على التمييز بين ما يصنع للشهرة وما يصنع للشرف، بين ما يقاس بالمال وما يقاس بالدماء والوفاء.
الانحناء لعشر مرات هو شعلة تنير دروب الأمة في الظلام الطويل. إنه تذكير بأن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا بالاعتراف بالتضحيات، وأن الشموخ الحقيقي يقاس بالقدرة على الانحناء احترامًا للتاريخ والكرامة. لكل جيل يقرأ هذه الكلمات، هناك درس خالد: القوة الحقيقية تكمن في الاعتراف بالحق والوفاء للتضحيات، والانتصار الحقيقي هو القدرة على رؤية من صنع التاريخ والاعتراف به.
كل حركة انحناء تحمل بعدا إنسانيا خالدا: رحمة، صبر، تقدير، وفاء. الانحناء لأمهات الشهداء هو ترجمة حية لهذا النهج العظيم، حيث تتلاقى السياسة بالضمير، والقرار بالشرف، والقوة بالرحمة. كلمات الرئيس بارزاني إرث خالد، شهادة على أن القيادة الحقة تجمع بين القوة والوفاء، بين السياسة والشرف، بين التاريخ والحاضر.
إنها دعوة للأجيال القادمة لتعلم أن الانحناء ليس ضعفا، بل لغة الشرف، التي تتجاوز الزمان والمكان.