الهوية الكردية والوطن السوري: من صرخة الوجود إلى عقد العدالة القادم

الهوية الكردية والوطن السوري: من صرخة الوجود إلى عقد العدالة القادم

صلاح عمر

الهوية ليست شعاراً يُرفع على المنابر، ولا بطاقة تعريف تُمنح بمرسوم، إنها صوت التاريخ حين يتكلم بضمير الأجيال.
هي الذاكرة التي لا تموت مهما تغيّرت الأسماء والحدود، وهي البصمة التي لا تمحوها قرارات الطغاة ولا عواصف النسيان.
الهوية، في معناها الأعمق، ليست انغلاقاً على الذات، بل تجذّرٌ في الأرض وانفتاحٌ على الإنسانية. فالكردي الذي يعرف نفسه بصدق، لا يكره الآخر، بل يحمي الآخر من نفسه، لأن الاعتراف بالذات هو الخطوة الأولى نحو الاعتراف بالآخر.

من هنا تبدأ قضية الهوية الكردية في سوريا؛ من جرحٍ مفتوح منذ قرنٍ من الزمان، منذ أن قُسمت الجغرافيا الكردية على موائد المصالح الدولية، فصار الكردي يعيش نصفه في وطنٍ، ونصفه في المنفى، وصوته يتردد في أربعة أوطانٍ لا تعترف به أيٌّ منها.
ومع ذلك، بقي هذا الشعب واقفاً، شامخاً، يحمل ذاكرته كراية، ويزرع حلمه في وجه العواصف.

لقد وُلدت الهوية الكردية في سوريا من رحم المعاناة، لا من امتيازٍ سياسي، وما بين الفرمان العثماني والإحصاء الاستثنائي، وبين سجون البعث ودهاليز المخابرات، عاش الكردي قرناً كاملاً وهو يواجه سؤال الوجود:
هل أكون كما أنا؟ أم أذوب كما يريدون؟

لكنّ الكرامة الكردية لم تعرف الذوبان يوماً.
في كل بيتٍ كردي، حكاية عن أبٍ اعتُقل لأنه كتب بالكردية، وعن أمٍّ خبّأت كتاباً ممنوعاً تحت وسادتها، وعن طفلٍ لم يُسجّل باسمه الحقيقي لأن اسمه كان «غير عربي».
ومع ذلك، لم يمت الحلم، لأن الشعوب لا تُمحى بمرسوم، ولا تُنسى بقرار.

لقد حاولت الأنظمة المتعاقبة في دمشق أن تبني «الوطنية السورية» على قاعدة العروبة وحدها، فحوّلت الوطن إلى قالبٍ ضيقٍ لا يتّسع إلا للونٍ واحد وصوتٍ واحد.
لكنّ الوطنية التي تُقصي نصف شعبها ليست وطنية، بل استعمار داخلي مغلف بشعار الوحدة.
حين يُطلب من الكردي أن يتخلى عن لغته وتاريخه ليكون «سورياً صالحاً»، فذلك ليس اندماجاً بل إلغاء للذات.

الكردي السوري لم يطلب يوماً أكثر من الاعتراف بوجوده، لم يرفع السلاح لغزو أحد، بل ليدافع عن حقه في أن يكون نفسه.
حين خرجت الحركة الكردية الأولى عام 1957، لم ترفع شعار الانفصال، بل رفعت شعار «الديمقراطية لسوريا والحقوق القومية للكرد»، لأن الكردي كان يدرك بالفطرة أن حريته لا تكتمل إلا بحرية الآخرين.

لكنّ الإنكار كان طويلاً، والظلم كان متجذراً. من مشروع الحزام العربي إلى منع اللغة الكردية، ومن التهجير إلى الإحصاء الجائر، ظل الكردي يُعامل كأنه طارئٌ في وطنه، وكأنّ هويته جريمة تستوجب الصمت، غير أن الصمت الذي فُرض عليه لعقودٍ، تحوّل مع الزمن إلى صوتٍ مدوٍّ في وجه الطغيان، حتى بات اليوم أحد الأعمدة التي لا يمكن لأي وطنٍ أن يقوم بدونها.

إنّ من أخطر ما واجه الهوية الكردية هو محاولات تشويهها باسم الوطنية السورية. فالبعض أراد من الكردي أن يكون وطنياً فقط حين يصمت عن قضيته، وأن يكون خائناً حين يتكلم عنها.

الكردي الذي يقول «أنا كردي أولاً، ثم سوري»، لا يقل وطنية عن العربي الذي يقول «أنا عربي أولاً، ثم سوري»، فكلاهما يتحدث عن جذره، لا عن جدارٍ يريد إسقاطه.

في جوهر المسألة، لا يمكن بناء وطنٍ عادل دون الاعتراف بجميع مكوناته على قدم المساواة.
الوطن ليس لوناً واحداً ولا ديناً واحداً، بل نهرٌ تتدفق إليه روافد متعددة، وسوريا التي تُنكر الكرد، تُنكر ثلث روحها وتاريخها، وتحوّل التنوع الذي كان يمكن أن يكون مصدر قوتها إلى سبب ضعفها.

ليس المطلوب أن يذوب الكردي في «سوريا العروبة»، بل أن تكتمل «سورية الوطن» بوجود الكرد فيها. فالكردي لا يريد أن يُعامل كضيف، بل كشريك. لا يريد صدقة في الحقوق، بل شراكة في القرار والمصير.
إنّ الاعتراف بالهوية الكردية لا يهدد وحدة سوريا، بل هو وحده الكفيل بإنقاذها من الانقسام والاحتراب.
فالتعدد ليس خطراً على الأوطان، بل مصدر حيويتها. أما الخطر الحقيقي فهو في عقلية الإقصاء التي تُنتج الطغيان بأسماء مختلفة.

اليوم، بعد أكثر من عقدٍ على الثورة السورية، وبعد أن تهاوت الشعارات وبقي الواقع عارياً، بات واضحاً أن من لا يعترف بحقوق الكرد لا يمكن أن يكون ديمقراطياً، لأن الديمقراطية ليست خطباً بل سلوكاً وموقفاً.

الكردي في سوريا هو امتحان الوطنية السورية، فإما أن تنجح النخبة السياسية في تحويل التنوع إلى مشروع دولة عادلة، أو تسقط مجدداً في فخ العروبة السياسية القديمة التي لم تجلب سوى الخراب.
الاعتراف بالكرد ليس منّةً، بل تصحيحٌ لمسار التاريخ، ووفاءٌ لتضحيات من قضوا دفاعاً عن هذا التراب.

لقد علّمنا التاريخ أن كلّ وطنٍ لا يتسع لهويات أبنائه جميعاً، سيتحول إلى سجنٍ كبير، وأنّ الكرامة لا تتجزأ، والعدالة لا تُقاس بعدد الأصوات، بل بصدق الموقف.
ولأن الكردي هو أكثر من قاتل وضحّى وسُجن ونُفي من أجل الحرية، فمن حقه أن يكون شريكاً كاملاً في رسم ملامح سوريا الجديدة.

إنّ الاعتراف بالهوية الكردية في سوريا ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل واجبٌ وطنيٌ وأخلاقي.
وطنٌ عادل لا يقوم على طمس أحد، بل على جمع الكل في ظلّ العدالة والمواطنة. ومن يرفض هذا المبدأ، يرفض سوريا المستقبل، سوريا الفيدرالية، الديمقراطية، التعددية، اللامركزية.
سوريا التي يتكلم فيها الكردي لغته بلا خوف، والعربي بلا تفوق، والسرياني بلا قيد، ويشعر الجميع أن هذه الأرض هي بيتهم المشترك.
بهذه الروح فقط، يمكن أن نمنح دماء الشهداء معناها الحقيقي، ونكتب فصلاً جديداً من تاريخٍ لم يعد يحتمل الأقنعة.
فلتكن هويتنا جسرَنا إلى الوطن، لا جداراً بيننا وبينه.
ولنردد جميعاً، كرداً وعرباً وسرياناً وآشوريين:
سوريا التي نريدها، وطنٌ يتسع للجميع.